تمر على الفرد منّا أيام من كل عام لمناسبات غالية عزيزة على القلب والوجدان، تحمل في ثناياها الكثير من الذكريات والأحاديث التي يطول سردها والإفصاح عن مكنوناتها، أيام هي في حقيقتها أعوام وعقود من العمل بمعية من تعلمنا منهم الكثير من بني هاشم الأخيار، وشهدنا لهم مواقف عظيمة من حب الأمة والوطن والتضحية لهما، وما زالوا يعملون، غايتهم نماء الوطن الذي يبذلون لرفعته كل ما يملكون دون كلل أو ملل أو منّة، ويوم ميلاد سيدي صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال حفظه الله ورعاه، هو ذكرى طيبة تهب علينا نسائمها في آذار، استذكر ويستذكر معي الكثير من أبناء الوطن العزيز مسيرة هاشمية حافلة من العطاء لسموكم، شاركتم خلالها المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال عقود من بناء الدولة ومؤسساتها.
سيدي حسن، أكتب إلى سموكم لأهنئكم أولاً وأهنئ نفسي وعائلتي وكل محبيك الأنقياء الصادقين من كان خُلقهم الإخلاص وما بدلوه تبديلاً، من أبناء شعبنا وأمتنا، فأنا اليوم ولله الحمد فخور ويملؤني الاعتزاز بأن أكون خريج مدرسة وجامعة الحسن بن طلال حفظه الله.
ففي عيد ميلادكم سيدي، يطيب لي أن استذكر قبساً من جهدكم في خدمة الوطن والأمة، خلال العام الفائت وإن كان هو الآخر يمثل جزءاً يسيراً من أعوام وعقود مباركة مضت كان وما زال فيها الأمير الهاشمي الإنسان، يقف كعادته إلى جانب الوطن، يسارع سموكم دائماً إلى مواساة أبناء الوطن في مختلف المحن، وكان آخرها مواساة وتعزية سموكم لأسر ضحايا مستشفى السلط رحمهم الله، كما يساند سموكم أبناء الوطن على إثر تضررهم من وباء الكورونا الذي اجتاح الوطن والعالم كله، وباء خطير ترك في كل بيت أردني حزن على قريب أو صديق فقدناهم رحمهم الله، فقد كان سموكم يطمئن بنفسه على الجميع مطلقاً دعوة عظيمة هي مبادرة "التضامن والتكافل الإنساني ضد وباء كورونا”، والتي أطلقها سموكم مع مجموعة من علماء الأمة جددت نداء سموكم السابق” التضامن ويقظة الضمير الإنساني”، وقد دعت المبادرة إلى تشبيك وتعزيز الجهود الوطنية والإقليمية والدولية في مجال المياه والطاقة بإنشاء مركز إقليمي للمعرفة يستند في قراراته للمعلومة الدقيقة ويقود بنا إلى استشراف المستقبل ونشر نهج التشاركية في المنطقة لمجابهة التحديات، يضاف إلى ذلك نداء سموكم تجاه الوقوف بشكل جدي أمام مشكلة اللاجئين في العالم، إذ باتت هذه المشكلة تؤرق النفوس، وتدق ناقوس الخطر على الأمن العالمي بكل أشكاله، لذلك فقد آن الأوان للمنظمات والمؤسسات التصدي له بمسؤولية وتخطيط، ويلفت سموكم نظر الجميع أفراداً ومؤسسات إلى حاجتنا الملحة للبدء بمأسسة مشروع عالمية الزكاة الذي أطلقه سموكم منذ عقود، والمتعلق بفكرة تشكيل مؤسسة عالمية للزكاة والتكافل الإنساني، وهذا من منطلق ما يحمله سموكم من فكر إنساني واقعي، يربط في كل دعوة أو مبادرة يطلقها بين القيم الإنسانية بوصفها تشكل الدافعية الحقيقية لمساندة الآخر واحترام كرامته وحقوقه، وبين العمل الاقتصادي المطلوب وتفعيل سُبل الاستثمار والإنتاج بوصفها أيضاً الحلول لما يواجه وطننا وأمتنا وعالمنا من تحديات ومشاكل تقتضي العمل الجاد، وفق إستراتيجية يشارك الجميع في تنفيذها، وهذا في حقيقته هو تطبيق لمفهوم المواطنة الجامعة، التي ينادي سموكم في تبنيها، إذ يشعر خلالها كل واحد وفي أي مجتمع أن له حقوق وعليه واجبات.
وبخصوص القضية الفلسطينية وجوهرتها القدس، فقد تمسك سموكم بالحق العربي الأصيل في الأرض المحتلة المغتصبة، استناداً إلى الشرعية الدولية التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة ممثلة بالجمعية العامة ومجلس الأمن ومنظمة اليونسكو وكل المنظمات الحقوقية في العالم، وأيدها الموقف العربي والإسلامي والمبادرة العربية للسلام، والمطالبة بإلزام إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال) بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومنها القرار الخاص بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود العام 1967م، وتناول سموكم هذا الموقف المتمسك بالحق العربي الأصيل في الكثير من اللقاءات والمقابلات والمقالات والمؤلفات، منها على سبيل المثال؛ كتابكم (حق الفلسطينيين في تقرير المصير)، وكتابكم (السعي نحو السلام)، وكتابكم (دراسة في القدس)، ومن مقالات سموكم عن القضية الفلسطينية خلال العام الماضي مقالكم (نحن العرب لا نطلب معروفا من أحد)، ومقالكم (صفقة القرن: أحادية الحل الإسرائيلي والمشهد العقلاني الأردني)، تتبع فيها سموكم محطات التضحيات والجهود الأردنية والموقف السياسي والدبلوماسي الأردني بقيادته الهاشمية تجاه القضية الفلسطينية وجوهرتها القدس، موضحاً خلالها للرأي العام العالمي من خلال كتابة سموكم الكثير من المقالات باللغة الانجليزية في وسائل الإعلام الغربية إن الموقف العربي يتجه نحو السلام وإعادة الحقوق، كل ذلك لفضح التعنت الإسرائيلي الذي يحاول الترويج لمقولة ان إسرائيل دولة ديمقراطية تبحث عن السلام، بينما الحقيقة عكس ذلك تماماً، تتمثل بالانتهاكات والاعتداءات والقتل والأسر والاعتقال وهدم البيوت وسحب الهويات والإبعاد واقتحام المسجد الأقصى المبارك، الحرم القدسي الشريف بهدف تنفيذ المخطط الصهيوني القائم على هدم المسجد الأقصى المبارك وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه والاستمرار في بناء المستعمرات (المستوطنات).
ان هذا التوازن والإصرار في خدمة الوطن والأمة من جهة، وبث القيم الإنسانية الكفيلة بنشر الوئام والتسامح والتعايش من جهة أخرى، لا يمكن أن يتأتى لأحد إلا إذا جمع بين الفكر والإيمان بالمبادئ والتصميم على نشرها كما هو حال الأمير الحسن، عقله وروحه في الوطن وعيناه على القدس وفلسطين، مطالباً دائماً بأن تكون في ضميرنا وشغلنا الشاغل على الدوام، ويبث سموكم فينا الأمل بغدٍ أفضل نصنعه بسواعد الأردنيين من كافة مدنه وقراه وبواديه، مؤكداً سموكم في مقالة: (على أعتاب المئوية الثانية للدولة)، على مبادئ وأهداف النهضة العربية الكبرى ومراحل الكفاح والنضال لبناء الدولة الأردنية، وتاريخ عميق للشعب الأردني على أرضه، ويدعو سموكم إلى الاستناد في نهضتنا على دعائم عدة كفيلة بمسيرة التقدم والتنمية تتمثل في تاريخ طويل من جهود الأردنيين في مواجهة التحديات الوطنية والقومية، ورسالة عمَان للتسامح والاعتدال والوسطية والأوراق النقاشية لجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، والتي حدد فيها جلالته الرؤية والإستراتيجية لبناء المؤسسات، وهي أيضاً مكملة للدستور ولروح ومبادئ النهضة، وتعتبر بحق خارطة طريق مستقبلي تحتاجه الدولة ويطمح له أبناء المجتمع.
سيدي سمو الأمير الحديث عن جوانب من مسيرة عطائكم الحافلة الميمونة في حد ذاته موضع فخر واعتزاز بسموكم،أسعد وأنا أقف عند بعض محطاتها، وما أكثرها وما أعمق مضامينها وما أصعب حصرها وعدها ولو برع اليراع وكثر الورق، وأنا على يقين بأنها تحتاج إلى صفحات ومقالات كثيرة، ولكن أحببت استعراض بعضها، للقول بأن سيدي الأمير الحسن حفظه الله كان وما زال همّه الوطن والأمة وعزيمته الهاشمية تبث فينا روح العمل، لنستمر وكلنا قوة في مسيرة البناء في ظل قيادة صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله، قائد نهضتنا ورائدها.
وأختم مقالاتي بمناسبة ذكرى عيد ميلاد سموكم، بدعاء والدتي رحمها الله عندما كنت أقبل قدمها ويدها، كعادتي قبل أن أستقل سيارتي في طريقي للعمل في مكتب سموكم، كانت تقول: "روح الله يرضى عليك يا عبد الله، الله يحمي ملكك وعائلته وأميرك وعائلته وعائلتك، الله يحفظكم من كل حاسد ومتربص بسوء”، وها أنا اليوم أكرر وعائلتي عبارات والدتي الغالية، وأقول: كل عام وسيدي حسن والعائلة بألف خير وبركة، سائلاً الله العزيز القدير أن يحفظكم والعائلة الكريمة وينعم عليكم بالسعادة وهدوء الفكر وراحة البال، ويبعد عنكم كل سوء ومكروه، ويديم عليكم الصحة ويلبسكم ثوب العافية، ويعيد عليكم الأعوام والأعوام مكللة بالسعادة والهناء.
حفظ الله الأردن وأهله وقيادته الهاشمية في ظل صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه. وكل عام وسيدي والعائلة بألف خير.