يعود الحديث مجدّداً حول توجّه شركة لافارج لمقايضة ديونها المستحقة لعدد من البنوك الأردنية بأراضٍ من أراضي الفحيص المقام عليها مصنع الإسمنت؛ كما تتردد شائعات منذ فترة حول احتمال إقدام مؤسسة الضمان الإجتماعي على شراء جزء من تلك الأراضي.
للوهلة الأولى، لا يبدو بأن هناك جديد فيما يتعلق بقضية الأراضي التي تستحوذ على اهتمام أهالي الفحيص منذ ما يزيد عن الست سنوات، وتثير لديهم القلق على مصيرها ومستقبل استخداماتها. فالخطة (الفاشلة) التي وضعت قبل عام لإعادة تنظيم الشركة كانت تتحدث عن عزمها بيع الأراضي لتسديد ديونها تجاه البنوك. وطوال السنوات السابقة لوضعية الإعسار، كانت الشركة تحاول بمختلف الطرق الحصول على قرار تنظيم الأراضي من بلدية الفحيص من أجل بيعها بالسعر الأعلى. وأغلب الظن لدى عدد من المراقبين بأن الخطة الجديدة لإعادة تنظيم الشركة سوف تتضمن أيضاً التوجه نفسه، وهو مقايضة ديونها للبنوك بأراضٍ من تلك المقام عليها مصنع إسمنت الفحيص.
من منظار أوسع، علينا ان نتذكر بأن ثابتاً واحداً حكمَ ولا يزال يحكمُ موقف شركة لافارج من قضية الأراضي: أن الشركة تتصرف من منطلق أنها تستطيع أن تفعل ما تشاء بالأراضي دون الرجوع إلى أية جهة أخرى (بالرغم من أن صفة استخدامها التعدين فقط، وهي استملكت للمنفعة العامة وليست الخاصة)، ودون الأخذ بأية اعتبارات، بإستثناء اعتبارها الخاص الأوحد، وهو تحصيل أكبر قدر ممكن من الأموال عن طريق بيع هذه الأراضي التي سلّمها فساد الإدارة الأردنية للشركة الأجنبية الخاصة على طبق من ذهب دون أن تدفع ديناراً واحداً ثمناً لها، مخالفاً بذلك الدستور والمصلحة العليا للدولة (ولم تجري بعد محاسبة مرتكبي الفساد بالرغم من مطالبة أهالي الفحيص بذلك). أما الحديث عن «مشاريع تنموية» على أجزاء شاسعة من الأراضي فقد كان ولا يزال ذراً للرماد في العيون، ويُشبه في أوجه عديدة منه الحديث عن «حل الدولتين» الذي كانت إسرائيل تستغله ولا تزال كغطاء للإستمرار في الإستيطان ونهب الأراضي الفلسطينية ! كانت الشركة تتصرف ولا تزال وكأنها غير معنية بتداعيات بيع الأراضي على مستقبل المدينة الإقتصادي والإجتماعي والحضري.
إن الحديث عن مقايضة الديون بالأراضي يعيد إلى الواجهة من جديد جملة من المسائل ذات الأهمية الفائقة بالنسبة للفحيص ومستقبلها، في حين أن الشركة تتجاهلها بالكامل. أولاً: لا يجوز تفتيت الأراضي وبيعها بالمفرّق، أو مقايضتها بديون كما تنوي شركة لافارج أن تفعل؛ فهذه الأراضي الشاسعة (حوالي 2000 دونم) يجب التعامل معها كوحدة واحدة، لأن استعمالاتها سوف تؤثر تأثيراً جوهرياً على مستقبل المدينة من جميع الوجوه، خصوصاً وأن لديها مخططاً شمولياً موضوعاً منذ أكثر من عشر سنوات. وثانياً: ماذا عن إعادة تأهيل الأراضي المعدّنة التي هي استحقاق قانوني على الشركة ؛ وقد سجّلت بلدية الفحيص منذ تموز 2020 مطالبتها بحقوقها في هذا المجال لدى وكيل الإعسار ؟ وثالثاً: ماذا عن المسار التفاوضي الذي بدأته الشركة مع بلدية الفحيص عام 2019 وفقاً لمحددات الحوار المجتمعي الذي نظّمه المجلس البلدي السابق وأبلغت الشركة بها عبر كتاب رسمي ؟
هذه المسائل ليست جديدة، لكننا نُذكّر بها فقط، ونعتقد بانها ستحتل حيزاً كبيراً من اهتمام رئيس وأعضاء المجلس البلدي وجميع مكونات المجتمع من مؤسسات مدنية وعشائرية، بل وعلى صعيد الوطن كله؛ إذ أن ما يجري بشأن أراضي الفحيص يكاد يُشبه تماماً ما يجري للوطن.
وفيما يتعلق بالبنوك، فإن رسالة الفحيص واضحة : قسمٌ كبير من هذه الأراضي مدمّرٌ ويحتاج إلى إعادة تأهيل سوف يُكلّفكم مبالغ بأكثر مما سوف تستردونه من ديون لكم على الشركة. وإذا لم تصدقوا أرسلوا خبرائكم لمعاينة الأراضي على الواقع ! وفوف ذلك، فسوف تدخلون ـ لا سمح الله ـ في نزاع مع أهالي مدينة مسالمة لا ترغب في التصادم معكم حول حقوق لها لن تتنازل عنها لأن الأمر يتعلق بأراضي الآباء والأجداد، وبمستقبل المدينة وأجيالها الشابة. إنه مجرد تنبيه ودي إلى بنوك أردنية لا نريد لها الوقوع في فخ، أو التورط في مشاكل هي في غنى عنها.
تدخل قضية أراضي الفحيص المقام عليها مصنع الإسمنت مرحلة جديدة خلال الأيام والأسابيع المقبلة. أبناء وبنات الفحيص جاهزون لمواجهة هذه المرحلة، وهم يلتزمون جانب اليقظة التامة، ولديهم ما يكفي من العزيمة والإصرار والخبرة والدعم من أجل الذود عن مستقبل مدينتهم. وما عجزت لافارج عن تحقيقه طوال السنوات الست الماضية سوف لن تحققه اليوم بالوسائل الجديدة.
طوال السنوات الست الماضية قاومت الفحيص أشكال عديدة من الضغوط والمناورات والمخططات والحيل التي استهدفت تجاوز حقوقها ومصالحها. واليوم ـ كما الأمس ـ تواصل الفحيص بمختلف مكوناتها الدفاع عن حقوقها ومصالحها المنسجمة تماماً مع الدستور والقوانين والأعراف ومبادئ العدالة.