وجه الشاب الأردني نور شبيطة رسالة مؤثرة رصدها موقع "خبرني" للمفقودين أيهم العمري وراشد الصبح.
وقال شبيطة في رسالته: ومع أنّني صدقتكما في كلّ حرف قلته، إلّا أنّ ذلك لا يجعل كلام الرجل خطأ، فكما علّمنا ابن أبي طالب عليه وعلى آل رسول الله السلام: فنحن لا نعرف الحقّ بالرجال، ولكن نعرف الحقّ فنعرف أهله.
واختفى أيهم العمري وراشد الصبح وهما طالبان بمدرسة الملك عبدالله للتميز في محافظة إربد منذ صباح يوم الاثنين الماضي.
وفي وقت سابق من أمس الأربعاء، كشف العمري، والد الطفل الأردني المختفي أيهم، لموقع "خبرني" تفاصيل اختفاء ايهم وصديقه راشد في ظروف غامضة، مشيرا إلى أن المختفيين ابنه أيهم وصديقه راشد الصبح تركا رسالة، وذكرا في الرسالة التي تركوها لأهلهم بأنهما قاما بقراءة كتاب (الأب الغني والأب الفقير)، وكتبا (نريد ان تخدمنا المصاري وليس نحن من نخدم المصاري).
وتاليا الرسالة التي وجهها الشاب شبيطة للمفقودين أيهم وراشد:
إلى العزيزين أيهم وراشد،
أطيب التحيّة لكما،
وبعد حمد الله العظيم والصلاة على نبيّه الكريم، فإنّني أبدأ بأن أوضّح لكما لمَ تجنّبت الافتتاح بالبسملة كما فعلتما في رسالتكما، فالبسملة آية تكرّرت مرّتين في كتاب الله مرقومةً في مفتتح كتاب الله على لسان رسوله سليمان إلى بلقيس، وفي مفتتح كتاب الله على لسان رسوله محمّد عليه الصلاة والسلام إلى العرب، أي القرآن العظيم. هكذا نعلم أنّ البسملة تقول: إنّ هذا الكلام باسم الله، لا باسم قائله، وأنا أحدّثكما باسمي أنا حسبُ، لكن يعلم الله أنّني لا أبتغي غير وجهه الكريم في مخاطبتكما، ويعلم أنّني قرأت ما أحببته لدى فتيين من بلدي العزيز، فأحببت أن أكون عونا لكما، بأن آخذ على يديكما وأنصحكما نصيحة ربّما عجزت عنها مؤسساتنا التربوية.
راشد وأيهم، لا أخفيكما أنّني أعجبت بمستواكما الواعد مقارنة بفئتكما العمريّة في اللغة العربيّة، وأنّ ذلك لعب دورًا كبيرا في رغبتي بأن أخاطبكما بهذه الرسالة التي أحاول أن أتجنّب فيها دور الناصح الواعظ، فأنا كنت أتنفّس الحماسة كما تتنفّسانها اليوم، وكان يضيق صدري بالوعظ، لا سيّما أنّ الكبار يسكبون النتائج سكبًا، دون أن يخوضوا في المقدّمات التي أدّت إليها، وهذا لا يناسب من يحبّ أن يتعلّم، فسأكتفي بذكر بعض الحقائق التي تستطيعان التحقق منها، وأرجو أن تفعلا:
1. ليس في كتاب "الأب الغنيّ الأب الفقير" معلومة اقتصادية واحدة غير مذكورة في كتب الاقتصاد والثقافة الماليّة التي صدرت قبله أو بعده، لكنّ الناس لا تقبل على الكتب الجامدة المعنية بالحقائق.
2. الكتاب، كما لاحظتما، يسرد قصّة يستدخل فيها بعض المعلومات الاقتصاديّة في سياق قصصيّ ممتع، وأكثر ما يجعله جاذبا هو احتواؤه بذرة من الحقيقة، غير أنّه ليس صادقًا في القصّة التي يرويها، إذ كان روبرت مقبلا على إعلان إفلاسه قبيل إصدار هذا الكتاب، بعد أن أعلنت عدّة شركات بدأها الرجل إفلاسها، ولم ينقذه من الإفلاس سوى تصديق الناس القصة التي قالها، ونجاح الكتاب.
3. يستخدم روبرت الكتاب ليروّج لجلسات استشارية تباع بمبلغ أكبر، ثمّ يروّج في هذه الجلسات لبرنامج تدريبيّ يباع بمبلغ أكبر، وهكذا حتّى ينفق المتعلّم عنده ثروة أكبر مما يدفع لقاء التعليم الجامعيّ.
4. ذكرت هذه في البند الثاني لكنّي أعيدها هنا مستقلّة لتصلكما بوضوح: استثمارات روبرت العقارية لم تبدأ سوى بعد أن نجح كتابه، لقد كان رجل أعمال فاشل، حتّى وجد أنّه يستطيع تحويل نفسه لموجّه (غورو) أعمال.
5. النموذج التعليميّ الذي يتبنّاه، وقد تظنّانه مبدعًا، حتّى لو لم يكن صادقًا، لم يخترعه هو. هذا النموذج معروف في شركات التسويق الشبكيّ، وفي النظام الهرميّ الذي يصنّف في كثير من البلدان التي تحرص على تنظيم التجارة على أنّه احتيال. وهذا معروف عن شركات مثل "هيربالايف" و"آم وي".
6. لقد كان روبرت متورّطا فعلا مع شركة "آم وي" ونموذجها الهرميّ المخادع، لكنّ الشركة مملوكة لإحدى كبريات العائلات الثريّة المشهورة في الولايات المتّحدة بأنّها عوائل شريرة، لا تتورّع عن التجارة بالوهم أو حتّى بالعقارات الإدمانيّة. هناك تعلّم الرجل هذه الخدعة بتسويق النجاح أو وهم النجاح على أنّه سلعة.
7. القضايا المرفوعة ضد الرجل كثيرة، وهو يتفادها بسبب ثرائه وصلاته وعقم النظام القضائيّ الأمريكيّ، وهو صديق مقرّب للرئيس ترامب.
ومع أنّني صدقتكما في كلّ حرف قلته، إلّا أنّ ذلك لا يجعل كلام الرجل خطأ، فكما علّمنا ابن أبي طالب عليه وعلى آل رسول الله السلام: فنحن لا نعرف الحقّ بالرجال، ولكن نعرف الحقّ فنعرف أهله.
هنا عليّ أن أشير إلى أمور عدّة تخصّكما على وجه التحديد:
أنتما محقّان في نفوركما من التعليم الجامعيّ، فهو عقيم في بلادنا، وكثير من الخرّيجين عاطلون عن العمل، والجامعات صارت تسلّع التعليم، فيطلب من الإنسان أن ينفق الكثير من المال على تعليم غير ذي جدوى ماليًّا أو معرفيًّا، ومع ذلك يحرص عليه الناس لأنّهم يتمسّكون بصورة منتهية الصلاحيّة عن العالم، ولأنّهم يرون فيه فوائد أخرى كالنضج الاجتماعيّ وبناء الشخصيّة وتكوين العلاقات خارج إطار الأحياء والمدن الصغيرة.
وبعد أن أزحت هذا الاعتراف الصعب عن صدري، أريد أن أنبّهكما إلى أنّ التعلّم الذاتيّ يحتاج التزامًا يعجز عنه كثير من الناس، لكنّني أتوسّم فيكما الحماس والانضباط اللازمين له، فأنا أشجّعكما على التعلّم الذاتيّ، لكنّني _مع صدقي في ذلك_ أريد أن أشكّك بالحكم الذي وصلتما إليه.
أينما كنتما الآن، فأنتما تريان أنّ الناس لن تعقد معكما صفقات مالية أو عقود عمل ما دمتما تحت السنّ القانونيّة، وهكذا فستكون السنتين الآتيتين وبالًا عليكما. وفوق ذلك، فإنّ عمل النهار لتوفير الرزق منهك، والمعارف الإنسانية متّسعة جدًّا، لا تكفيها ساعة مطالعة بعد تعب اليوم بطوله، والتعلّم في ذاته يتطلّب إنفاقًا على الموادّ والمصادر وتوفير البيئة اللازمة له. لذلك فإنّ التفاهم مع الأسرة لتوفير البيئة المناسبة للتعلّم الذاتيّ، مع السماح لكما بالعمل والتدرّب على التجارة والقراءة وفهم العالم الخارجيّ أفضل لكما من ترك الأهل حزينين عليكما.
إنّ الرجل الذي انطلت عليكما قصّته الكاذبة أتى من عائلة يعمل فيها الأب معلّما في إحدى الجامعات، ولم يبخل على أبنائه بتعليم جيّد، ورغم ذلك حرق الرجل سمعة أبيه الذي لم يكن يرى في المال كلّ شيء، فالأب قد سافر مع "فرق السلام" المؤسسة التي يعتقد الأمريكيّ العاديّ _مخطئا_ أنّها رمز للمساعدة الإنسانيّة، فهو كان أبًا محبًّا للخير ولأبنائه، لكنّ روبرت _الغضيب_ ظلّ يسخر من أبيه في كلّ محاضراته، وفي عنوان كتابه الذي لا تترجم فيه "بور داد" إلى "الأب الفقير" فقط، بل إلى "الأب البائس" أيضًا، واسألا عن ذلك وأنتما تتعلّمان الإنجليزيّة.
أتمنّى أن تساعدني قائمة أصدقائي في نشر هذه الرسالة، لعلّها تصلكما وأنتما في أفضل حال، وفي أتمّ الصحّة، وفي ساعة رضا، ليقرأ كلّ منكما الرسالة، وتتحقّقان ممّا فيها، ثمّ تعودان إلى أهلكما الّذين لا يستحقّون منكما هذا الموقف الذي وضع فيه روبرت أباه، ولا الحزن المصاحب لفراقكما.
أخيرًا فإنّني أحبّ أن أنّبهكما إلى ضرورة البرّ بمعلّميكم الذين أفنوا وقتهم وجهدهم وقبلوا بالقليل من المال في سبيل أن يريا لغتكما الجميلة السلسة على الورق، وأن يلمحا منكما آية النضج والرشاد، فلا تكافئا جهدهم بشتيمة المدارس عن بكرة أبيها، ففيها الصالح والطالح، وفيها نتعلّم الكثير ممّا يلزمنا، وإنّ الأغلبيّة الساحقة من الأثرياء _ ما دمتما تريان النجاح هو الثراء فقط_ هم من المتعلّمين الذين جلسوا على مقاعد التعليم حتّى وصلوا التعليم الجامعيّ، ومنهم من رأى فرصة فاغتنمها وغادر المؤسسة التعليمية بعد أن تزوّد منها بما ينفع.
لا تشعرا للحظة أنّكما قد تورّطتما في طريق لا عودة منه، فالأهل أقرب للمغفرة والمحاورة، وقد فهموا ما أردتما قوله، فعليكما الآن أن تعودا لأهلكما الذين أشيم فيهم من خلال ما أراه من تربية لكما أنّهم سيحتضنونكما، وسيشاورونكما في أمركما حتّى ترضيا.
هيّا، لا تتأخّرا فنحن بانتظار سماع خبر عودتكما الجميل، فكيف بالأهل الذين مهما قسوا يحنون على الأبناء، وانظرا إلى ابن الرومي الذي فقد ابنه محمّد فقال:
أَفِي حينِ شمْتُ الخيْرَ من لَمَحَاتِهِ ... وآنَسْتُ من أفْعاله آيةَ الرُّشدِ
طَوَاهُ الرَّدَى عنِّي فأضحَى مَزَارُهُ ... بعيداً على قُرْب قريباً على بُعْدِ
وإنّ فراقكما لهو كالموت لأهل أفنوا عمرهم لكي يروا ابنيهم يسيران بينهم كالرجال الراشدين، لكن... حصل خير... المهم أن تعودا.