في رحاب حرثا الكفارات... الروابدة يستحضر تاريخ الأردن المشرّف
وملامح هويته الوطنية
نيروز الإخبارية – محمد محسن عبيدات
في أجواء مفعمة بالانتماء والاعتزاز بالوطن، وتحت عنوان
"هوى وهوية"، أقيمت في منطقة حرثا – الكفارات فعاليات مهرجان أبيلا السياحي
الثقافي الثامن، الذي نظمته هيئة اليرموك للتنمية الثقافية والاجتماعية، برعاية دولة
الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، أحد أبرز رجالات الدولة الذين أسهموا في ترسيخ الهوية
الوطنية الأردنية وإعلاء قيم العروبة والانتماء.
واستهل الحفل بكلمة ترحيبية ألقاها رئيس هيئة اليرموك للتنمية
الثقافية والاجتماعية الأستاذ خالد اسكندر عبيدات، رحّب فيها براعي الحفل والحضور الكريم
من الشخصيات الرسمية والأكاديمية والثقافية، معبّراً عن اعتزازه برعاية دولة الدكتور
الروابدة لهذا الحدث الثقافي الوطني الذي يعكس رسالة الهيئة في تعزيز الوعي بالهوية
الأردنية وتاريخ المنطقة العريق.
وقال عبيدات في كلمته: "يشرفنا اليوم أن نحتفي معاً في رحاب أبيلا
التاريخ، هذه المدينة التي حملت على مدى العصور عبق الحضارة ورسالة الإنسان الأردني
الأصيل، وأن نكرّم في الوقت ذاته إرثنا الثقافي وهويتنا الوطنية في مهرجانٍ بات تقليداً
سنوياً يعكس روح الانتماء والعطاء."
وأضاف أن مهرجان أبيلا السياحي الثقافي يجسد التقاء الماضي
بالحاضر، ويهدف إلى تسليط الضوء على الإرث التاريخي والسياحي لمنطقة الكفارات وما تزخر
به من مواقع أثرية وطبيعة خلابة، إلى جانب إبراز الإبداع الأردني في الشعر والفن والموسيقى
والمسرح، مؤكداً أن "الهوية الأردنية هي جذرنا العميق الذي نستمد منه الثبات والكرامة
والعزّة".
بعد ذلك، ألقى دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة كلمته الشاملة
التي حملت عبق التاريخ ووهج الانتماء، حيث أعرب عن اعتزازه بوجوده بين أبناء هذه المنطقة
العريقة، قائلاً: "من دواعي سروري وفخري أن أكون في منطقة حرثا الكفارات، هذه الأرض الحبلى
بالرجولة والعروبة، التي ما كانت يوماً إلا رافداً رئيساً من روافد هذا الوطن وعمق
أمته."
وأضاف: "على هذه الأرض انطلقت أول حركة فدائية من أجل فلسطين،
قادها الشهيد كايد المفلح العبيدات، ومعه ثلة من أقاربه ورفاقه، وعلى هذه الأرض أيضاً
اجتمع زعماء الأردن في أم قيس ليصدروا أول قرار عربي يدعو إلى إقامة دولة أردنية والتصدي
للعدوان الصهيوني، قبل أن يستفيق الآخرون على خطره."
وأكد الروابدة أن اختيار منظمي المهرجان لموضوع "الهوى
والهوية" كان موفقاً ومعبرًا، لأنه يعيد التذكير بجذور العروبة في وجدان الأردنيين،
موضحاً أن الهوى الأردني كان وما يزال عربياً أصيلاً، وأن الأردن كان ساحة الثورة العربية
الكبرى ووقودها الذي حمل راية التحرير حتى دمشق، حيث شارك الأردنيون في بناء الدولة
الفيصلية، وكان لهم من نوابها من صاغ وثيقة استقلالها.
وأشار إلى أن الأردن ظل الحضن الدافئ للأحرار العرب بعد سقوط
الدولة الفيصلية، إذ فتح ذراعيه لكل من لجأ إليه من أبناء الأمة، ولم يُغلق بابه يوماً
أمام عربي نُكب بالعدوان، مؤكداً أن الأردن كان على الدوام في صفّ القضايا العربية
العادلة، يتحمل الألم والموقف بشرفٍ وإباء.
وفي حديثه عن الهوية الوطنية، لفت الروابدة إلى أن بعض المراحل
التاريخية شهدت تراجعاً في وعي الذات الوطنية الأردنية، لأن الأردنيين ظلوا أوفياء
لعروبتهم، فقال: "تفاخر أشقاؤنا بالهويات السورية واللبنانية والفلسطينية والمصرية، أما
نحن فقد بقينا نحمل لواء العروبة دون أن نعلن عن هويتنا الوطنية الخاصة، حتى جاء الوقت
الذي أحيينا فيه هذه الهوية على أرضنا في الستينات، فكانت بداية تشكل الوعي الأردني
الحديث بذاته."
وأوضح الروابدة أن الأردن عند تأسيسه عام 1921 لم يحمل اسمه
الحالي، بل كان يسمى "حكومة الشرق العربي"، لأن الهدف كان تحرير بلاد الشام،
مضيفاً أن أول حكومة ضمت سبعة وزراء لم يكن من بينهم سوى أردني واحد، بينما البقية
من لبنان وسوريا والحجاز وفلسطين، ومع ذلك لم يُنظر إليهم كغرباء، بل كأبناء أمة واحدة
يجمعهم حلم العروبة.
وبيّن أن 17 حكومة تشكلت خلال عهد الانتداب البريطاني دون
أن يترأسها أردني واحد، ورغم ذلك بقي الأردنيون يحتضنون الجميع بمحبة وإيمان بوحدة
المصير العربي، إلى أن بزغ فجر الهوية الأردنية الحديثة، التي جسدت قيم الانتماء والكرامة
والاستقلال.
وأكد الروابدة في ختام كلمته رفضه لعبارة "الهوية الوطنية
الجامعة" إذا أسقطت منها كلمة "الأردنية"، قائلاً بحزم: "الهوية الوطنية الأردنية لا تُقصي أحداً،
ولا تُبعد ولا تستثني، فهي تستوعب جميع الأعراق والأديان والمنابت والأصول، وتجمعهم
في أسرة واحدة متحابة. ما نريده هو أن نعتز بالأردنية الوطنية ِ، لا أن نذيبها في عموم
لا ملامح له."
رئيس اللجنة
المنظمة، الدكتور عاصم محمد عبيدات من كلية الفنون الجميلة في جامعة اليرموك قال :
أيها الحضور الكرام، من أرض العراقة في شمال الأردن، ومن مدينة أبيلا – قويلبة التي
تعانق تاريخ الحضارات، نحتفي اليوم بانطلاق مهرجان أبيلا الثامن بثوبٍ جديدٍ يجمع بين
الأصالة والتجديد، ويحمل رسالة وطنية وثقافية وإنسانية. يهدف المهرجان إلى تسليط الضوء
على مدينة أبيلا الأثرية ووضعها على خارطة السياحة الأردنية، بوصفها شاهداً حياً على
عظمة التاريخ، وإبراز التراث الشعبي والموروث المحلي لأهالي المنطقة بما فيه من فنون
وأطعمة وأزياء وحكايات تعبّر عن هوية الوطن وأصالته. كما يسعى إلى تمكين المرأة والشباب
وإشراكهم في الأنشطة الثقافية والفنية والريادية، ليكونوا شركاء فاعلين في التنمية.وأكد
عبيدات أن مهرجان أبيلا ليس مجرد فعالية موسمية، بل رسالة حب وانتماء للأردن، ودعوة
لزيارة هذه المدينة التاريخية التي ما زالت تنبض بالحياة. وأشار إلى أن جامعة اليرموك،
ومن خلال كلية الفنون الجميلة، تواصل دورها الريادي في دعم الثقافة والفن وخدمة المجتمع،
عبر المشاركة الفاعلة في المهرجانات الوطنية كمهرجاني جرش وأبيلا، وإسهامها في إبراز
الإبداع الأردني وصقل المواهب الشابة. واختتم كلمته بالتحية لكل من أسهم في إنجاح المهرجان،
مؤكداً أن الثقافة والفن هما جسرنا نحو المستقبل، وأن أبيلا ستظل منارةً للجمال والتراث
الأردني الأصيل.
وقد شهد المهرجان حضوراً واسعاً من الشخصيات الوطنية والثقافية
والأكاديمية، إضافة إلى جمهور كبير من أبناء اللواء ومحافظة إربد والألوية المجاورة،
الذين تفاعلوا مع كلمات الروابدة وما حملته من معانٍ عميقة في الوطنية والهوية والوفاء
للتاريخ.
واختتمت فعاليات المهرجان بفقرات فنية وتراثية عبّرت عن تنوع
الهوية الأردنية وغناها الثقافي، من عروض فلكلورية وأغانٍ وطنية وشعر نبطي، جسدت وحدة
الأرض والإنسان في لوحة من الإبداع والانتماء.