المرحوم محسن عبيدات… اسمٌ نقش حضوره في ذاكرة شومان" عميد رواد الثقافة "
نيروز – محمد عبيدات
في بلدة حبراص الوادعة حيث تتكئ البيوت على سفوح الذاكرة
وتتنفس الارض عبق الزيتون والقمح ولد محسن علي سالم عبيدات الابن الثاني للشيخ علي
سالم لافي عبيدات ابو حسني نشأ في بيت تتقاطع فيه الاصالة مع الحكمة وتتعانق فيه المروءة
مع العلم فحمل منذ طفولته بذور الوقار وسار بخطى ثابتة نحو مسار اختاره لنفسه مسار
الثقافة والمعرفة
انهى دراسته الاساسية والثانوية باصرار الشغوف ثم التحق بالقوات
المسلحة الاردنية حيث تعلم الانضباط والالتزام وصقل شخصيته بروح الجندية والانتماء
وبعد ذلك انتقل الى العمل في الشركة الاردنية السورية ليقضي فيها أكثر من عشرين عاما
من العطاء المتواصل مثابرا في عمله صادقا في ادائه لا يعرف الا الاخلاص طريقا
غير ان سيرة محسن لم تكتب بالحبر الوظيفي وحده، بل خطت بنور
المعرفة فعلى مدى عشرين عاما جاور في سكناه منتدى عبد الحميد شومان الثقافي في عمان
وكأن القدر اراد له ان يكون على تماس يومي مع الفكر والنور لم يكن الجوار مجرد صدفة
مكان بل كان اختيار روح تبحث عن فضائها هناك بين رفوف الكتب وفي اروقة الندوات تشكلت
ملامح " عميد رواد الثقافة "
وقد أطلق عليه هذا اللقب مثقفو ورواد المنتدى أنفسهم اولئك
الذين عايشوا حضوره الدائم ولمسوا عمق قراءته واتساع افقه ورأوا فيه نموذج القارئ الحقيقي
الذي يحترم الكلمة ويصون الفكر لم يكن اللقب مجاملة عابرة بل شهادة تقدير من بيئة ثقافية
تعرف قيمة المعرفة وتمنح القابها لمن يستحقها عن جدارة
عاش حياة الشاب الاعزب وكانت اجازته يوما واحدا في الاسبوع
لكنه لم يعرف الفراغ طريقا الى ايامه كان يمضي اوقاته بعد العمل في العبادة وقراءة
القران ثم ينتقل بشغف الى مطالعة الكتب الثقافية والادبية يوميا كان يقرأ صحيفة الدستور
من اول كلمة الى اخر كلمة وكأنه يؤدي طقسا معرفيا لا يكتمل يومه دونه كانت القراءة
لديه عادة راسخة لا هواية عابرة
حضر الندوات والمحاضرات بانتظام وجلس بين الادباء والمفكرين
منصتا ومتفاعلا لم يكن مجرد مستمع بل كان قارئا ناقدا يحفظ الفكرة ويعيد تركيبها ويضيف
اليها من مخزونه المعرفي قرأ ما يزيد على مئتي كتاب في الثقافة العامة والشعر والرواية
وسائر الوان الادب وكان اذا انهى كتابا لم يلبث ان يبدأ اخر وكأن المعرفة نهر لا يرتوي
منه
في حديثه تشعر انك امام موسوعة تمشي على قدمين اذا اشتد النقاش
واخذ الحوار مداه تجول في ذاكرته الثرية واستحضر الامثال واستشهد بالروايات وربط بين
الماضي والحاضر بخيط من الفهم العميق كان حديثه رصينا بعيدا عن الادعاء ممتلئا بالحكمة
والبساطة في آن واحد
زادته الثقافة تواضعا ومنحته القا هادئا لا صخب فيه لم تكن
المعرفة عنده وساما يعلق على الصدر بل خلقا يمارس في الحياة اليومية فكان الانسان المرح
البشوش قريبا من القلوب حاضرا في المواقف طيب السيرة والسريرة
محسن علي سالم عبيدات لم يكن شيخا بالسن فحسب بل شيخا بالوعي
جمع بين اصالة العشيرة ونور الكتاب بين انضباط الجندية ورحابة الفكر فاستحق ان يخلد
في ذاكرة رواد المنتدى بلقب شيخ المثقفين ذاك الذي ادرك ان المعرفة ليست ترفا بل رسالة
وان الانسان كلما ازداد علما ازداد تواضعا ونبلا
هي سيرة رجل آمن ان الكتاب صديق العمر وان الثقافة طريق للسمو
فمشى فيه بثبات وترك اثرا طيبا في كل من عرفه او جالسه