رغم مرور ما يقارب خمسةً وثلاثين عامًا على مرحلة الانفراج والتحولات الديمقراطية التي جاءت بفعل هبة نيسان، وتراكم الضغوط الشعبية، وتصدّر الأحزاب عناوين تلك المرحلة، بما أفضى إلى إلغاء الأحكام العرفية والإعلان عن العودة للحياة الحزبية، إلا أن حضور أحزاب اليسار الأردني اليوم يبدو أضعف من أي وقت مضى.
لا يمكن إنكار مشروعية الخطاب السياسي الذي استخدمه اليسار لسنوات في تفسير تراجعه، بالاستناد إلى ظروف العمل السري، والغياب القسري، والاعتقالات، ومضايقات السفر، والفصل والتسريح من العمل، إضافة إلى تفكك المعسكر الاشتراكي عالميًا. غير أن هذه العناوين، رغم واقعيتها، لم تعد كافية لتبرير الغياب العملي لليسار عن ساحات الاشتباك الحقيقي: الشارع، والنقابات، والبلديات، والأندية، والبرلمان.
ارتبط اليسار تاريخيًا بالدفاع عن الفئات المهمشة والطبقات الوسطى والفقيرة، لكنه اليوم يبدو منفصلًا عن الشارع أكثر من أي وقت مضى. خطاب ثقيل، تنظيم مترهل، وخلافات داخلية أنهكت ما تبقى من طاقته. وبينما تتغير أولويات الناس وتتفاقم أزماتهم المعيشية، بقيت كثير من الأحزاب اليسارية أسيرة قوالب فكرية قديمة، ولغة سياسية لا تلامس الواقع اليومي للمواطن.
الأزمة الأعمق لا تكمن فقط في الخطاب، بل في ضعف العمل الميداني، وغياب القيادات القادرة على تحويل الفكر اليساري إلى برامج عملية قابلة للتطبيق، يشعر المواطن بنتائجها، لا مجرد شعارات تُعاد تدويرها.
وقد خسر اليسار معركة الشباب بشكل واضح. جيلٌ عنوانه الأساسي البطالة، وارتفاع كلفة المعيشة، وانسداد الأفق، لا يجد في الأحزاب اليسارية خطابًا قريبًا من لغته، ولا حلولًا مقنعة لمشكلاته. الحديث عن العدالة الاجتماعية بلا أدوات تنفيذ، وعن الحقوق بلا مسارات واقعية لتحقيقها، لم يعد كافيًا لإقناع جمهور يبحث عن أمل ملموس، لا عن أدبيات سياسية.
المعضلة أخطر من ذلك. فاليسار مطالب اليوم بإعادة تعريف نفسه بوضوح:
هل هو معارض حقيقي منحاز للناس؟ أم مجرد صوت نقدي ناعم لا يزعج أحدًا؟
هل ما زال يحمل مشروعًا اجتماعيًا واضح المعالم؟ أم اكتفى بدور أخلاقي عام فقد تأثيره مع الزمن؟
هذه الأسئلة لا يمكن تأجيلها، لأن الغموض الفكري يعني مزيدًا من التراجع.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن اليسار انتهى. الفرصة ما زالت قائمة، لكنها مشروطة بمراجعة شجاعة لا تجميل فيها. مراجعة تبدأ من الداخل: من بنية الحزب وقياداته، مرورًا بخطابه وبرامجه، وصولًا إلى حضوره بين الناس لا فوقهم. فاليسار لا يُبعث من البيانات، بل من الشارع، ومن النقابات، ومن قضايا العمل والسكن والتعليم والعدالة الضريبية.
الخلاصة أن الأحزاب اليسارية في الأردن تقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما الاستمرار في دور هامشي وتكرار خطاب لا يسمعه أحد، أو إعادة إنتاج نفسها كقوة سياسية واجتماعية حقيقية، جريئة في مواقفها، واضحة في انحيازها، وقريبة من هموم الناس.
فالتاريخ وحده لا يمنح الشرعية، بل القدرة على الفعل والتأثير