شهدت القصيدة العربية المعاصرة، منذ منتصف القرن العشرين، تحولات بنيوية ومعرفية عميقة أعادت تعريف مفهوم الشعر ووظيفته. فلم تعد القصيدة فضاءً للغنائية الفردية فحسب، بل غدت بنيةً دلاليةً مركّبةً تتقاطع فيها المرجعيات الثقافية، وتتداخل فيها الأنساق الفنية لتشكّل خطابًا شعريًا يتفاعل مع قضايا الإنسان العربي سياسيًا وتاريخيًا وحضاريًا. وفي هذا السياق، يبرز أمل دنقل بوصفه أحد أبرز الأصوات التي جسّدت هذا التحول؛ إذ استطاع أن يزاوج بين الاتساق الثقافي المتجذر في التراث العربي، والاتساق الفني القائم على وعي بنيوي صارم، فصاغ تجربة شعرية تمتح من الماضي لتقرأ الحاضر وتستشرف أفق المقاومة.
وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل آليات الانسياق الثقافي والفني في شعر دنقل، من خلال مقاربة نصية تحليلية تكشف عن البنية العميقة للنص، وعن شبكة العلاقات الدلالية التي تربط بين التراث والواقع، وبين الشكل والمضمون.
أولًا: الانسياق الثقافي وتوظيف المرجعية التراثية
يمثل التراث في شعر أمل دنقل ركيزةً بنائية لا مجرد خلفية زخرفية. فهو لا يستدعي الشخصيات والأحداث التاريخية استدعاءً تقريريًا، بل يعيد إنتاجها ضمن رؤية نقدية معاصرة، بحيث تتحول الشخصية التراثية إلى قناع رمزي يعبّر عن موقف فكري وسياسي.
1. التراث التاريخي بوصفه بنية مقاومة
في قصيدته الشهيرة «لا تصالح» من ديوان أقوال جديدة عن حرب البسوس، يستحضر دنقل شخصية كليب وقصة جسّاس، ليجعل من الحادثة التاريخية مرآةً للواقع السياسي العربي بعد اتفاقيات السلام. يقول:
«لا تصالح
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما…
هل ترى؟
هي أشياء لا تُشترى!»
يتحول الخطاب هنا إلى وصية أخلاقية ذات بعد جمعي، ويتأسس النص على ثنائية الدم/الصلح، والكرامة/المساومة. إن الانسياق الثقافي يتجلى في استثمار الذاكرة العربية الجمعية، بحيث يغدو الماضي قوةً حجاجية تُدين الحاضر. فالتراث ليس معطًى جامدًا، بل طاقة رمزية تُسهم في تشكيل وعي مقاوم.
2. الرمز الأسطوري وإعادة إنتاج الدلالة
في قصيدة «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»، يستدعي دنقل الشخصية الأسطورية التي اشتهرت بقدرتها على الرؤية البعيدة. يقول:
«أيتها العرافة المقدسة
جئتُ إليكِ مثخنًا بالطعنات والدماء…»
تتحول زرقاء اليمامة إلى رمز للمثقف المستبصر الذي يرى الخطر قبل وقوعه، لكن صوته لا يُسمع. وهنا يتكثف البعد المأساوي؛ إذ يتماهى الشاعر مع الشخصية الأسطورية ليعبّر عن اغتراب المثقف العربي وعجزه أمام الهزيمة. فالانسياق الثقافي هنا يشتغل عبر آلية الإسقاط التاريخي، حيث يتداخل زمن الأسطورة بزمن الهزيمة المعاصرة.
ثانيًا: الاتساق الفني وبنية التماسك النصي
إذا كان البعد الثقافي يمنح النص عمقه الدلالي، فإن الاتساق الفني يضمن وحدته البنيوية. ويظهر ذلك في عدة مستويات:
1. التكرار بوصفه استراتيجية دلالية
يعتمد دنقل على التكرار لتكريس المعنى وتعميقه. ففي «لا تصالح» يتكرر الفعل الأمر «لا تصالح» بوصفه لازمة إيقاعية ودلالية، تؤسس إيقاعًا احتجاجيًا متصاعدًا. هذا التكرار لا يؤدي وظيفة موسيقية فحسب، بل يخلق بنيةً تداولية تحوّل القصيدة إلى خطاب تعبوي.
2. التوازي التركيبي والإحالة
تتسم قصائده بتوازي الجمل وتكافؤ البنى، مما يعزز الانسجام الداخلي للنص. كما تتكاثر الإحالات الضميرية التي تربط المقاطع بعضها ببعض، فتُنشئ شبكةً من العلاقات المرجعية تُحقق ما يسميه النقاد «التماسك النصي». وهذا ما أشارت إليه دراسات نقدية حديثة تناولت التماسك والاتساق في شعر دنقل بوصفه عنصرًا بنيويًا فاعلًا في إنتاج المعنى.
3. التداخل السردي والبعد الدرامي
في «الورقة الأخيرة… الجنوبي» يتجلى صوت الشاعر وهو يواجه المرض والموت بوعي وجودي عميق. تتداخل في النص عناصر سردية كالحوار الداخلي، واسترجاع الذاكرة، والبنية المشهدية، مما يمنح القصيدة طابعًا دراميًا. يقول:
«أنا من جنوب الجنوب…
أحمل وجهي في يدي
وأمشي…»
يتحول الضمير الفردي إلى رمز للهوية الجمعية، ويصبح السرد وسيلةً لتكثيف التجربة الشعورية. إن هذا التداخل بين الشعري والسردي يمثل ملمحًا حداثيًا يؤكد وعي دنقل بتحولات الكتابة الشعرية.
ثالثًا: جدلية الشكل والمضمون في التجربة الدنقلية
لا يمكن الفصل بين الاتساق الثقافي والفني في شعر أمل دنقل؛ فالمضمون المقاوم يفرض شكله، والبنية الفنية تخدم الرؤية الفكرية. إن قصيدته تقوم على جدلية التوتر بين الماضي والحاضر، بين الحلم والانكسار، بين الفرد والجماعة. وهذا التوتر هو ما يمنح النص كثافته الجمالية.
لقد استطاع دنقل أن يحافظ على الإيقاع الخليلي في كثير من قصائده، مع تطويعه ليخدم التجربة المعاصرة، فجمع بين الأصالة والتجديد دون انقطاع عن الجذر الثقافي. ومن هنا تبدو تجربته مثالًا على إمكانية تحديث القصيدة العربية من داخل بنيتها التراثية لا عبر القطيعة معها.
الخاتمة
تكشف قراءة شعر أمل دنقل عن تجربةٍ تتكامل فيها الأنساق الثقافية والفنية ضمن رؤيةٍ نقدية واعية. فالتراث في شعره ليس استعادةً نوستالجية، بل استراتيجية مقاومة، والبنية الفنية ليست شكلًا زخرفيًا، بل أداة لتكثيف المعنى وضبطه. وبهذا استطاع دنقل أن يؤسس خطابًا شعريًا يجمع بين العمق الفكري والصرامة الجمالية، فظلّت قصائده حيّة في الذاكرة الثقافية العربية، قابلةً لإعادة القراءة والتأويل في كل سياق تاريخي جديد.
إن الانسياق الثقافي والفني في تجربته يؤكد أن القصيدة العربية المعاصرة قادرة على أن تكون فعل وعيٍ وتغيير، وأن الشعر – حين يتكئ على ثقافة عميقة وبناء فني متماسك – يظل أحد أنقى أشكال المقاومة الجمالية.
المراجع
أمل دنقل. الأعمال الكاملة. دار الشروق، القاهرة، 2010.
العمايرة، حنان إبراهيم. «التماسك والاتساق النصّي في شعر أمل دنقل». مجلة الجامعة الإسلامية للبحوث الإنسانية، 2017.
بكور، سعيد. «توظيف التراث في شعر أمل دنقل». رابطة أدباء الشام، 2016.
عدوان، عدوان نمر، وعيّاش، عمر سميح. «التداخل السردي في الشعر الحديث». أكاديمية أماراباك، 2022.