لا يوجد ما هو أخطر على الدول من الجمود ، ولا أكثر طمأنينة لها من الإصلاح الواعي.
فالإصلاح السياسي ليس ترفًا فكريًا، ولا شعار مرحلة، بل مسار دولة، وضمان استقرار، وبوصلة طريق .
في الأردن، لم تكن فكرة الإصلاح السياسي يومًا غائبة عن مستوى الرؤية. فقد قُدمت تصورات واضحة ومتدرجة في الأوراق النقاشية والتوجيهات التي طرحها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه ، والتي رسمت طريقًا نحو حياة سياسية أكثر نضجًا، وأحزاب برامجية فاعلة.
لكن التحدي لم يكن يومًا في غياب الرؤية… بل في فجوة التنفيذ.
فالدول لا تُقاس بما تكتب من خطط، بل بما تحققه من أثر.
ولا تُبنى الثقة فيها بالشعارات، بل حين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن مشاركته مؤثرة، وأن المؤسسات تعمل بروح الدولة لا بروتينها.
الإصلاح السياسي ليس مطلب نخب فقط، بل هو حاجة وطنية لحماية الاستقرار ذاته.
فالأنظمة التي توسّع المشاركة، وتعزز الحياة الحزبية، وتفتح المجال أمام التداول البرامجي للأفكار، تصبح أكثر قدرة على امتصاص الأزمات، وأكثر مناعة في وجه التحديات.
المعادلة ليست بين الإصلاح والاستقرار، كما يُتصور أحيانًا…
بل إن الإصلاح هو الطريق الأكثر أمانًا لحماية الاستقرار.
نحن لا نبحث عن إصلاح صادم، ولا قفز في المجهول، ولا تغييرًا يهزّ بنية الدولة، بل عن إصلاح متدرج، ثابت، واضح الاتجاه، يحافظ على قوة المؤسسات، ويعيد تنشيط الحياة السياسية، ويُخرجها من الإطار الشكلي إلى الفاعلية الحقيقية.
لقد طالت مرحلة التشخيص، وكثرت النقاشات، وتراكمت النصوص…وربما وصلنا اليوم إلى لحظة مختلفة، لحظة يصبح فيها السؤال الحقيقي:
هل نريد إصلاحًا نتحدث عنه… أم إصلاحًا نعيشه؟
إن قوة الدول لا تُقاس فقط بصلابة أجهزتها، بل بقدرتها على التطور في الوقت المناسب.
والأمم التي تؤجل الإصلاح تدفع كلفا باهضة لاحقًا ، أما التي تبادر إليه بوعي وثقة، فإنها تصنع استقرارها بيدها.
سيبقى هذا الوطن قويًا بقيادته وشعبه ومؤسساته،
لكن قوته تزداد حين تتسع المشاركة، وتتجدد الحياة السياسية، ويشعر المواطن أنه شريك في القرار وصانع للمستقبل.
الإصلاح ليس خيار مرحلة…
بل هو الطريق الطبيعي للدول التي تعرف أين تريد أن تصل.