في تاريخ الدول، تمر شخصيات عابرة، وتستقر أخرى في الوجدان الشعبي كعلامات فارقة. الشريف عبد الحميد شرف لم يكن مجرد رئيس وزراء مرّ على الدوار الرابع، بل كان مشروعاً نهضوياً، وصوتاً حداثياً غيبه الموت في ذروة عطائه، ليترك خلفه إرثاً من الأسئلة حول ماذا لو استمرت تلك التجربة ؟.
المولد والنشأة : جذور ضاربة في التاريخ
ولد الشريف عبد الحميد شرف في بغداد عام 1939 م، في كنف أسرة هاشمية جمعت بين عراقة النسب وهموم الأمة العربية الكبرى. نشأ في بيئة تضج بالسياسة والثقافة، فوالده الشريف شرف بن راجي كان شخصية لها حضورها في المشهد العربي آنذاك. هذه النشأة في قلب التحولات العربية الكبرى صقلت وعيه مبكراً، وزرعت فيه بذور التطلع لنهضة عربية شاملة.
التعليم : تكوين الفيلسوف الدبلوماسي
تلقى شرف تعليمه في بيئة أكاديمية منفتحة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وهي الحاضنة التي كانت تموج بالأفكار القومية والوجودية في الخمسينيات :
التخصص : نال درجة البكالوريوس في الفلسفة عام 1959 م ، ثم أتبعها بدرجة الماجستير في العلاقات الدولية عام 1962 م .
الفلسفة كمنهج حكم : من " التنظير " إلى " التغيير "
لم تكن دراسة عبد الحميد شرف للفلسفة مجرد تحصيل أكاديمي، بل كانت " البوصلة الأخلاقية " التي وجهت مسيرته السياسية. لقد آمن بأن السياسة دون فلسفة هي مجرد إدارة روتينية، لذا صبغ أداءه برؤية نقدية وفكرية نادرة :
المنطق في الإدارة : انعكست دراسته للمنطق في قدرته الفائقة على ترتيب الأولويات الوطنية بعيداً عن العشوائية.
الأنسنة : من فلسفته استمد إيمانه العميق بكرامة الفرد، فكان يرى المواطن محوراً للتنمية وليس مجرد رقم إحصائي.
الحداثة : كان يطمح لنقل الدولة من الأطر التقليدية إلى " الدولة العصرية " القائمة على العقل والمؤسسات، وهو ما جعل خطاباته تتسم بعمق ثقافي لم يعهده المشهد السياسي آنذاك.
الفيلسوف في أروقة السياسة :
بدأ شرف رحلته من أروقة الفلسفة صابغاً أداءه بصبغة فكرية نادرة. لم يكن يرى المنصب وجاهة، بل أداة للتغيير. انتقل من أصغر وزير للإعلام في الستينيات إلى أروقة الأمم المتحدة، حيث صقل هويته كدبلوماسي رفيع يجيد لغة العالم، قبل أن يعود ليصبح " عقل الدولة " ورئيساً للديوان الملكي الهاشمي.
حكومة " كسر الحواجز " :
حين كلفه الراحل الملك الحسين بن طلال بتشكيل الحكومة في نهاية عام 1979م، أطلق شرف ثورة إدارية بيضاء، تميزت بـما يلي :
١ ) تمكين المرأة : في خطوة تاريخية، كسر الجمود الجندري بإشراك أول امرأة في الفريق الوزاري ( إنعام المفتي ).
٢ ) الانفتاح الشعبي : عُرف بـ " رئيس الحوار "، مؤمناً بأن قوة الدولة تكمن في تلاحمها مع الشارع.
٣ ) محاربة البيروقراطية : كان يرى في الترهل الإداري عدواً لا يقل خطورة عن الأعداء الخارجيين.
رحيل في " قلب المعركة "
في الثالث من تموز عام 1980م، توقفت نبضات ذلك القلب الذي اتسع لأحلام وطن. رحل عبد الحميد شرف إثر نوبة قلبية مفاجئة وهو في سدة المسؤولية، رحيلٌ أبكى رفيق دربه الملك الحسين بن طلال، وأشعر الأردنيين بفقدان " بوصلة " كانت تتجه نحو المستقبل بسرعة وثبات.
الإرث المستمر
اليوم، حين نتحدث عن " الدولة المدنية " و" الإصلاح الإداري "، نجد جذور هذه المفاهيم في أوراق عبد الحميد شرف. لم يمت عبد الحميد شرف في الذاكرة الوطنية، بل ظل رمزاً للمسؤول الذي يجمع بين هيبة الدولة وروح المثقف، وبين رزانة السياسي وطموح الشباب.