في محراب الكلمة الصادقة، وبين أروقة استوديوهات الإذاعة التي تفوح بعبق " الزمن الجميل "، يبرز اسم الإعلامي الأردني القدير الأستاذ محمود أبو عبيد؛ ذاك الفارس الذي ترجل عن صهوة الحياة في مطلع عام 2025م، مخلفاً وراءه إرثاً صوتياً يرفض الغياب، وذاكرةً محفورة في وجدان المستمعين الذين كبروا على صوته الرخيم.
من بيادر بلدة الحصن إلى فضاءات الخليج ( رحلة البدايات ) :
وُلدت موهبة الاعلامي محمود أبو عبيد في كنف بلدة الحصن العريقة شمال الأردن، وهي البلدة التي رفدت المشهد الثقافي الأردني بأسماء وازنة. صقل موهبته بالعلم حتى نال دبلوم العلوم العليا، لتبدأ رحلته مع " الميكروفون " في مطلع الستينيات من القسم الثقافي في الإذاعة الأردنية.
لم يكن مجرد مذيع عابر، بل كان " رحالة ميكروفون " عابراً للحدود؛ إذ شهدت تلك الحقبة انطلاقته كصوت رائد ساهم في وضع اللبنات الأولى للإعلام الخليجي، فكان من أوائل الأصوات التي صافحت أسماع الجمهور السعودي عند تأسيس إذاعتي الرياض والدمام، مرسياً مدرسة في الأداء الإذاعي تعتمد على مخارج الحروف السليمة واللغة العربية البيضاء.
مهندس الأثير وبصمة الإبداع العربي :
تجاوزت مسيرة محمود أبو عبيد حدود التقديم الصوتي لتصل إلى مرحلة صناعة المحتوى والإدارة الإعلامية المحترفة. ففي مطلع السبعينيات، انتقل إبداعه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث لعب دوراً محورياً في نهضة إذاعة رأس الخيمة، متولياً منصب المدير والمراقب العام للبرامج، ومقدماً نموذجاً للمدير المثقف الذي يمزج بين الرؤية البرامجية والانضباط الإداري.
وفي عام 1976م، عاد " أبو نبيل " إلى بيته الأول، إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، لتبدأ مرحلة النضج المهني الكبرى. تدرج في مناصب إدارية وبرامجية رفيعة، مؤكداً أن المذيع الحقيقي هو من يجمع بين فن الإلقاء وحرفية الإدارة، وهو ما تجلى في إشرافه على التغطيات الإذاعية الكبرى واليوبيلات الوطنية.
" برنامج مع الغروب " .... أيقونة الذاكرة وعنوان الوفاء :
يرتبط اسم محمود أبو عبيد في الذاكرة الجمعية ببرنامجه الأسطوري " مع الغروب ". هذا البرنامج الذي استمر لثلاثة عقود، لم يكن مجرد فقرة إذاعية، بل كان طقساً يومياً رافق الأردنيين بصوت دافئ يشبه هدوء المساء وسكون الريف.
ومن خلال " مجلة الأثير " وإدارته لإذاعة مهرجان جرش للثقافة والفنون، كان صوته جسراً يربط المثقف بالجمهور، وسفيراً للإعلام الأردني في المحافل الدولية مثل مهرجانات قرطاج بتونس، حيث كان يطل برصانته المعهودة ليعلي من شأن الهوية الوطنية والثقافية.
الإرث الأكاديمي والامتداد الإنساني :
لم يبخل الراحل الكبير بخبرته على الأجيال الصاعدة، بل آمن بضرورة تواصل الأجيال. فكرّس جزءاً كبيراً من حياته المهنية في معهد الإعلام الأردني وفي جامعات الرياض، حيث عمل على تدريب وتأهيل الكوادر الإعلامية الشابة، ناقلاً إليهم أمانة الكلمة وأخلاقيات المهنة، ليبقى أثره ممتداً في كل تلميذ حمل الميكروفون من بعده.
رحل محمود أبو عبيد جسداً، لكن صوته سيبقى صدىً يتردد في فضاءات الأثير، شاهداً على عصر ذهبي كان فيه المذيع حارساً للغة، وصديقاً لكل بيت، ومنارةً للثقافة الأصيلة التي لا تنطفئ.