في لحظة وطنية تستدعي الوضوح بلا مواربة، والحزم بلا تردد، جاءت رسالة عطوفة الدكتور نواف العجارمة، أمين عام وزارة التربية والتعليم، لتعلن موقفًا لا يحتمل التأويل: لا تهاون في حماية عقول أبنائنا، ولا تساهل في مواجهة آفة المخدرات.
لم يكن الخطاب مجرد بيان إداري، بل رسالة أبٍ يخاطب أبناءه، ومسؤولٍ يستشعر ثقل الأمانة أمام الله والوطن. وضع العجارمة القضية في إطارها الحقيقي، مؤكدًا أن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس فقط عدوًا ظاهرًا، بل أفكارًا وسلوكيات تتسلل خفية إلى عقول الناشئة فتُضعف الإرادة وتطفئ نور البصيرة.
ببلاغة تربوية عميقة، ربط العجارمة بين القيم الدينية وصون العقل، مستشهدًا بقوله تعالى: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»، ليؤكد أن حماية الوعي ليست خيارًا، بل فريضة، وأن العقل نورٌ من فرّط به خسر بوصلته، ومن خسر بوصلته ضاع مستقبله مهما توافرت له الفرص.
لكن الرسالة لم تقف عند حدود التنظير الأخلاقي، بل انتقلت إلى الفعل المؤسسي المنظم. فقد كشف العجارمة عن خطة توعوية متكاملة تنفذها الوزارة بالتعاون مع الجهات المختصة، ترتكز على شراكة مباشرة مع مكاتب مكافحة المخدرات في مختلف مناطق المملكة، في إطار تكامل وطني يضع الطالب في دائرة الحماية والتحصين.
وتشمل الخطة برامج تثقيفية مدروسة، وبروشرات علمية مبسطة تكشف مخاطر المخدرات الصحية والنفسية والاجتماعية، إلى جانب تفعيل حصص النشاط لتكون مساحات حوار آمن، يقدم فيها المرشدون والمختصون المعرفة بلغة قريبة من الطلبة، تُعزز قدرتهم على اتخاذ القرار السليم عن قناعة لا عن خوف. كما تحوّلت الإذاعة المدرسية إلى منبر يومي يغرس الوعي مع أول إشراقة صباح، ويربط بين التفوق العلمي والالتزام القيمي.
إن ما طرحه العجارمة يعكس قناعة راسخة بأن التربية هي خط الدفاع الأول، وأن المدرسة ليست مكانًا لتلقي المعرفة فحسب، بل حصنًا قيميًا وبيئة آمنة تصون الفكر والسلوك معًا. فالمعركة ضد المخدرات ليست أمنية فقط، بل معركة وعي وثقافة وإرادة.
وتنسجم هذه الرؤية مع توجيهات القيادة الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، التي أكدت دومًا أن الإنسان الأردني هو الثروة الأغلى، وأن حماية الشباب وصون وعيهم أولوية وطنية عليا. فحين تتكامل الرؤية الملكية مع الجهد التربوي، تتعزز مناعة الوطن من الداخل.
العجارمة أعلنها صريحة: الوقاية مسؤولية، والتحصين واجب، والوعي سلاح. إنها رسالة واضحة بأن الدولة، عبر مؤسستها التربوية، لن تسمح بأن تُختطف عقول أبنائها تحت أي ذريعة، ولن تترك شبابها فريسة لوهم عابر أو تجربة مدمرة.
في معركة بناء الإنسان، لا مجال للحياد… فإما أن نحمي العقول، أو نتركها عرضة للضياع. والرسالة هذه المرة جاءت حاسمة: التربية ستبقى درع الوطن، وعقول أبنائه خطًا أحمر.