حين نتحدث عن وزارة الشباب اليوم، فنحن لا نتحدث عن إدارةٍ تُنظّم أنشطة، بل عن مؤسسةٍ استعادت بوصلتها وبدأت تعود إلى موقعها الطبيعي في مشروع الدولة. لسنواتٍ تراجع حضور الوزارة، وانحصر عملها في إطارٍ تقليدي: فعاليات متفرقة، جداول مزدحمة، أثرٌ محدود. لم يكن الخلل في النوايا، بل في غياب المسار الجامع الذي يحوّل النشاط إلى نتيجة، والحضور إلى تمكين، والصورة إلى أثرٍ مستدام.
اختياركم للدكتور رائد العدوان وزيرًا للشباب جاء في توقيتٍ بالغ الحساسية؛ لحظةٍ كان فيها الملف بحاجة إلى إعادة تعريف، لا إلى تحسين شكلي. لم يدخل الوزارة ليُجمّل واجهتها، بل ليُعيد ترتيب أولوياتها. طرح السؤال الذي تأخر طرحه طويلًا: هل نقيس نجاحنا بعدد الأنشطة أم بعدد الشباب الذين تغيّرت حياتهم فعلًا؟
من هنا بدأ التحول الحقيقي. لم يعد النشاط غايةً بحد ذاته، بل جزءًا من برنامج. ولم يعد البرنامج محطةً قصيرة، بل حلقةً في مسار تمكين متكامل. جرى الانتقال من العشوائية إلى التخطيط، ومن التكرار إلى التخصص، ومن الإنفاق إلى قياس الأثر. أصبحت المهارة هي نقطة الانطلاق، وسوق العمل هو الهدف، والمشاركة المجتمعية هي الامتداد الطبيعي.
الأهم أن الوزير العدوان أعاد وضع ملف الشباب في إطاره الصحيح: ملف دولة لا ملف وزارة فقط. فالشباب ليسوا جمهورًا لمناسبة، ولا رقمًا في تقرير، بل طاقة وطنية تتقاطع مع التعليم والتدريب والاقتصاد والثقافة والأمن والمشاركة العامة. هذه المقاربة التكاملية أعادت الاعتبار للوزارة، ورفعت سقف الطموح، وربطت عملها بمنظومة أوسع من المسؤولية الوطنية.
ولأن الإصلاح الحقيقي لا يمرّ بهدوء، نشهد اليوم هجمة شرسة تستهدف الوزارة والوزير وفريق التغيير. هذه الهجمة، في جوهرها، ليست خلافًا حول تفصيل إداري، بل ردّ فعل على تحوّل مسّ مصالح اعتادت الاستقرار في ظل الترهل. حين تُغلق المساحات الرمادية، وتُربط الموارد بمعايير، وتُستبدل العلاقات بالمؤشرات، يشعر بعض المستفيدين من الفوضى بأن زمنهم يتقلص.
لهذا يأتي الهجوم من الداخل ومن الخارج. من الداخل، لأن إعادة الانضباط تُربك من بنوا نفوذهم على غياب المعايير. ومن الخارج، لأن أي مسار إصلاحي يصبح مادةً سهلة للتشكيك في لحظات الاحتقان. لكن التجربة الإدارية تقول إن شراسة المقاومة غالبًا ما تكون علامةً على أن التغيير لم يعد شعارًا، بل أصبح واقعًا يمسّ مواقع قائمة.
لا أحد يدّعي أن الطريق خالٍ من التحديات؛ فالإصلاح عملية تراكمية تحتاج إلى مراجعة مستمرة وتصحيح دائم. غير أن الاتجاه واضح وصلب: تحويل الوزارة من إدارة مناسبات إلى منصة تمكين، ومن حضورٍ موسمي إلى مسار حياة. وهذا الاتجاه، إن استمر وتلقى الدعم الكافي، سيُعيد للوزارة وزنها المؤسسي، ويُعيد لملف الشباب مكانته الاستراتيجية في قلب الدولة.
دولة الرئيس،
المسألة ليست دفاعًا عن أشخاص، بل تثبيتًا لمسار. إما أن نستكمل هذا التحول فنمنح الشباب سياساتٍ حقيقية تفتح أمامهم أبواب المهارة والفرصة والمسؤولية، وإما أن نعود إلى دائرة الرضا السريع والنتائج المحدودة. وفي زمن التحولات الكبرى، لا شيء أخطر من التراجع إلى ما قبل الوعي بالمشكلة.
الهجمة ستستمر ما دام الإصلاح مستمرًا. لكن الرهان يجب أن يبقى على أن مصلحة الدولة أعلى من كل حساب، وأن ملف الشباب، حين يُدار كملف دولة، يستحق الصبر والدعم والحماية. أما الذين يهاجمون منظومة العمل في وزارة الشباب، فإن ألمهم الحقيقي ليس في الخطاب، بل في نتيجة التحول البرامجي السليم الذي أنهى زمن الفوضى وبدأ زمن المسار.