في مطلع القرن العشرين، حين كانت المنطقة تضج بآمال النهضة ومخاضات الاستقلال، برز اسم مظهر بن مصطفى رسلان ( 1886-1948 م ) كأحد الوجوه التي نذرت حياتها للعمل العام. لم يكن مظهر رسلان مجرد موظف في سلك الإدارة، بل كان " ابن تلك المرحلة " بامتياز، حيث تخرج من الكلية الملكية في إسطنبول، ليتدرج في مناصب الدولة العثمانية قبل أن يجد نفسه في قلب الحركة الوطنية العربية.
رحلة البدايات :
من دمشق إلى السلط
كانت بداياته مرتبطة بالملك فيصل بن الحسين، حيث عُرف بإخلاصه لمشروع الدولة العربية، متولياً مهاماً جسيمة، منها منصبه كمتصرف للواء البلقاء ومركزه مدينة " السلط " الأردنية. في تلك الحقبة، لم يكن الدور الإداري منفصلاً عن الدور الوطني؛ فقد كان رسلان جسراً إدارياً ووطنياً يربط شرق الأردن بحركة التاريخ العربي.
في معترك الدولة الأردنية :
مع تأسيس إمارة شرق الأردن، كان مظهر رسلان حاضراً في اللحظات الأولى، فقد كان من الشخصيات التي اعتمد عليها الأمير عبد الله الأول بن الحسين في تثبيت أركان الدولة.
الحكومة الأولى : ترأس مظهر رسلان الحكومة الأردنية الثالثة ( 15 اب 1921 – 10 اذار 1922 م )، وقد سُميت حينها ":مجلس المستشارين ".
الحكومة الثانية : عاد ليشكل وزارته الثانية في الأول من شباط 1923 وحتى الأول من ايلول 1923 م، وهي فترة اتسمت بمحاولات تثبيت الأمن الداخلي وبناء المؤسسات في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد.
لقد اتسم عهده بالحرص على الموازنة بين متطلبات الإدارة الحديثة والتقاليد السياسية العربية، وشهدت فترة ولايته أحداثاً مفصلية، كان أبرزها الاعتراف البريطاني باستقلال الإمارة، ومواجهة تحديات الاضطرابات الداخلية التي كانت تستوجب حنكة سياسية هادئة.
المسار القومي والرحيل :
بعد تركه لمناصبه في الأردن، لم يتوقف طموحه السياسي؛ بل عاد إلى موطنه في سوريا، لينضم إلى " الكتلة الوطنية " التي قادت النضال ضد الانتداب الفرنسي، مما عرضه للاعتقال في جزيرة أرواد. واصل بعدها مسيرته وزيراً ونائباً في البرلمان السوري، وظل صوتاً مؤثراً حتى وفاته في القاهرة عام 1948 م، ليعود جثمانه إلى مسقط رأسه في مدينة حمص، مطوياً صفحة حياة حافلة بالتقلبات السياسية والإخلاص للمشروع العربي.
كان مظهر رسلان نموذجاً للسياسي " العابر للحدود "، الذي لم يجد حرجاً في أن يخدم الأردن بصدق، ثم يعود ليخدم سوريا بإخلاص؛ فهي شخصية من طراز الجيل الذي آمن بأن الوطن العربي هو ممتدٌ واحد، وأن الخدمة العامة هي رسالة لا تقيدها الجغرافيا.