في العمل العام، غالبًا ما تتجه سهام الاستهداف نحو من يُبادر ويُغيّر، لا نحو من يكتفي بتسيير الأعمال وإدارة التفاصيل اليومية. وحين يُطرح سؤال: لماذا يُستهدف رائد العدوان؟ ولماذا تُستهدف وزارة الشباب في هذه المرحلة؟ فإن الإجابة ترتبط بطبيعة التحول الذي يجري داخل المؤسسة، وبحجم الملفات التي باتت تُدار بعقلية مختلفة.
الوزير يشرف اليوم على منظومة متكاملة من الملفات المهمة: تطوير المراكز الشبابية، ومأسسة العمل الإداري، وضبط آليات الدعم المالي، ومتابعة الاستراتيجية الوطنية للشباب القادمة بكل تفاصيلها ومحاورها ومؤشراتها، والإشراف على مسارات التمكين، وجائزة ولي العهد للعمل التطوعي، وعقد شراكات مع مؤسسات وطنية ومانحين ضمن رؤية تجعل ملف الشباب ملف دولة لا ملف وزارة فقط. هذه ليست إدارة يومية، بل إعادة بناء هيكلي لمنهج العمل.
حين تُربط البرامج بمؤشرات قياس، وتُخضع المراكز للتقييم، وتُضبط الموارد بمعايير واضحة، تتقلص المساحات التي كانت تُدار سابقًا بمرونة غير منضبطة. وحين تُراجع الامتيازات، ويُعاد توزيع الأدوار وفق الأداء، فمن الطبيعي أن يتضرر من كانت مصالحهم الشخصية قائمة على حساب المصلحة العامة، سواء من بعض العاملين الذين لم ينسجموا مع متطلبات المرحلة، أو من أطراف خارجية اعتادت أدوارًا لم تعد منسجمة مع النهج الجديد، أو من أشخاص أُقصوا نتيجة ترهلهم الإداري وضعف إنتاجيتهم.
في مثل هذه اللحظات تبدأ قوى الشد العكسي في البروز. فالهجمة لا تأتي فقط بوصفها نقدًا إداريًا مشروعًا، بل تتحول إلى محاولة تشويش منظمة. واللافت أن وتيرة هذا التشويش ترتفع كلما طُرح في الأفق حديث عن تعديل وزاري، وكأن الهدف إيصال رسائل محددة إلى دولة الرئيس عبر تضخيم المشهد، وإظهار الأمر كأنه أزمة عامة لا نتيجة إصلاح.
غير أن هذا الأسلوب ليس جديدًا في العمل العام، ودولة الرئيس يدرك، بحكم خبرته، طبيعة هذه الأدوات وكيف تُدار مثل هذه الحملات. فالتجربة السياسية والإدارية أعمق من أن تُختزل في رسائل مبطنة. والتمييز بين النقد الموضوعي وبين التشويش المتعمد مسألة معروفة في إدارة الدولة.
الهجمة، إذن، ليست معزولة عن سياقها؛ فهي تأتي في لحظة يُعاد فيها ترتيب بيت الوزارة، وتُستكمل فيها مأسسة العمل، وتُبنى فيها شراكات استراتيجية، وتُصاغ فيها استحقاقات المرحلة المقبلة للشباب. وكلما اقتربت هذه الملفات من مرحلة النضج، زادت حساسية من تضررت مصالحهم.
في النهاية، لا يُستهدف من لا يفعل شيئًا. الذي يُستهدف هو من يُحرّك المياه الراكدة ويُغيّر قواعد اللعبة.
ويبقى الحكم الحقيقي ليس في حجم الهجمة، بل في أثر المسار. فإذا كان الاتجاه صحيحًا، فإن التشويش، مهما علا صوته، سيتلاشى؛ فالإصلاح حين يبدأ لا يعود إلى الوراء.