يُعد علي رضا باشا الركابي ( 1868 - 1942 م ) علامةً فارقة في تاريخ المشرق العربي الحديث، وشخصيةً استثنائية لم تكتفِ بمعاصرة التحولات السياسية الكبرى التي عصفت بالمنطقة، بل كانت فاعلاً ومؤثراً فيها. فهو الدمشقي الذي تدرج في مراتب القيادة العثمانية، ليصبح لاحقاً مهندساً لبناء مؤسسات الدولة في كلٍ من سوريا والأردن.
النشأة والمسيرة العسكرية :
وُلد الركابي في دمشق عام 1868 م لأسرة عريقة، وشبّ على طموحٍ دفعه للالتحاق بالكلية العسكرية في إسطنبول، حيث صُقلت مواهبه في الإدارة والتنظيم. لم يكن مجرد ضابطٍ في الجيش العثماني، بل كان عقلاً استراتيجياً يُقرأ فيه فكر القومي العربي، فقد تولى مناصب حساسة كقائد للجيش في القدس، ثم محافظاً للمدينة المنورة، وبعدها قائداً للجيش في بغداد والبصرة. ويُروى عنه موقفٌ شجاع قبل الحرب العالمية الأولى، حيث عارض دخول الدولة العثمانية في أتون تلك الحرب، محذراً من تبعاتها الوخيمة، وهو الموقف الذي كلفه تسريحه من الخدمة، ليعود إلى دمشق ويشغل منصب رئيس البلدية عام 1915 م، ثم ليصعد نجمه كأول رئيس حكومة في سوريا إبان العهد الفيصلي.
مسيرته في إمارة شرق الأردن : مرحلة التأسيس :
بعد خروجه من سوريا، استقطبه الأمير عبد الله بن الحسين للاستفادة من حنكته الإدارية في بناء إمارة شرق الأردن الناشئة، وقد تولى الركابي رئاسة الحكومة في فترتين محوريتين :
1 ) الحكومة الأولى ( اذار 1922 - كانون الثاني 1923 م ) :
شكل الركابي حكومته الأولى في 10 اذار 1922م، حيث عُرف بلقب " رئيس المستشارين ". كانت هذه الفترة " فترة تثبيت الأركان "، فقد واجهت حكومته تحديات أمنية صعبة، أبرزها إخماد " تمرد الكورة " في مايو 1922 م، وهو ما نجح فيه بامتياز، مما منح الدولة هيبةً وسلطة مركزية مطلوبة. ولم تقتصر مهامه على الداخل، بل كان الرجل المحوري الذي رافق الأمير عبد الله بن الحسين في زيارته التاريخية إلى بريطانيا في تشرين الاول 1922 م، والتي تُوجت بمباحثات سياسية مهدت لاعتراف بريطانيا الرسمي باستقلال الإمارة. استمرت هذه الحكومة حتى 28 كانون الثاني 1923 م، حيث قدم استقالته إثر تباين في الرؤى السياسية حول صلاحيات إدارة الدولة مع المعتمد البريطاني.
2 ) الحكومة الثانية ( أيار 1924 م - حزيران 1926 م ) :
عاد الركابي ليشكل حكومته الثانية في 3 أيار 1924 م، وكان المسمى حينها " رئيس النظار وناظر الملكية " ( الداخلية ). تميزت هذه المرحلة بكونها " مرحلة التنظيم الهيكلي "، حيث انصبّ اهتمامه على وضع الأنظمة المالية والإدارية التي تضمن ديمومة الدولة. ورغم التحديات التي واجهته، مثل اضطرابات وادي موسى عام 1926 م، إلا أنه ظل مخلصاً لمبادئ النزاهة التي جعلت من سيرته نموذجاً يُحتذى في الأمانة. استمرت حكومته لمدة تقارب العامين، لتنتهي في 23 حزيران 1926 م، تاركاً خلفه ركائز مؤسسية قوية استند عليها من جاء بعده.
شخصية الركابي وإرثه :
لم يكن الركابي مجرد سياسي تقليدي، بل كان شخصية جمعت بين الانضباط العسكري والعمق السياسي. عُرف عنه الحزم، والترفع عن الصغائر، والنزاهة التي لا تلين، حتى أصبحت " نزاهة الركابي " مضرباً للأمثال في ذلك العصر. كان قومي الفكر بامتياز، وظل مؤمناً بوحدة الأمة العربية، وهو ما ظهر جلياً في حياته اللاحقة حين أسس "حزب الأمة الملكي" في دمشق وخاض غمار العمل السياسي والانتخابي، باحثاً عن دورٍ يخدم وطنه سوريا، إلى أن وافته المنية في دمشق عام 1942 م.
يظل علي رضا الركابي جسراً تاريخياً يربط بين عراقة الإدارة العثمانية وطموح الدولة العربية الحديثة، وهو رجلٌ قدم للأردن وسوريا الكثير في أوقات كانت فيها الحاجة إلى قادةٍ بحجم التاريخ ضرورة وجودية لا خياراً سياسياً.