عبيدات يكتب .. بين حرب إيران وقانون الضمان
، كرامة دولة وكرامة انسان
بقلم
الكاتب والإعلامي محمد محسن عبيدات
في عالم السياسة كما في حياة الشعوب، تتشابه
المعارك وإن اختلفت ساحاتها، فهناك حروب تخاض بالصواريخ والعتاد العسكري، وأخرى تدور
داخل المجتمعات حول القوانين والحقوق والعدالة الاجتماعية، وإذا كانت الحرب المرتبطة
بإيران تقرأ في سياق الصراع العسكري والسياسي في المنطقة، فإن الجدل الدائر في الأردن
حول قانون الضمان الاجتماعي المعدل يمثل بدوره معركة من نوع آخر معركة تتعلق بكرامة
الإنسان ومستقبله بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء.
إيران، ومنذ سنوات طويلة، تسعى إلى تطوير
قدراتها في مختلف المجالات، ولا سيما في المجال العسكري والتكنولوجي ، وهذا التوجه،
وفق ما أعلنته قيادتها سابقا، يهدف إلى حماية سيادتها وصون كرامتها وضمان قدرتها على
الدفاع عن مصالحها في عالم مضطرب تتغير فيه موازين القوى بسرعة، فالدول بطبيعتها تبحث عن أدوات القوة التي تمكنها
من الحفاظ على حضورها ومكانتها في المستقبل.
في المقابل يخوض الأردنيون اليوم نقاشا واسعا
حول قانون الضمان الاجتماعي المعدل في البرلمان وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ، وخاصة
ما يتعلق برفع سن الشيخوخة إلى 65 عاما ، وهذا التعديل يثير الكثير من التساؤلات والاعتراضات
لدى شريحة واسعة من المواطنين الذين يرون أن سنوات العمل الطويلة ينبغي أن تتوج بمرحلة
من الراحة والطمأنينة، لا بتمديد سنوات الكدح إلى عمر متقدم يصبح فيه الإنسان أكثر
حاجة للسكينة والاستقرار.
وهنا يبرز وجه التشابه الرمزي بين المعركتين
فكما ترى الدول أن تعزيز قدراتها العسكرية هو وسيلة لصون كرامتها واستقلالها في المستقبل،
يرى المواطن أن حقه في التقاعد المبكر أو في سن معقول هو جزء من كرامته الإنسانية بعد
عقود من العمل والعطاء، وفي ايران الدولة تحارب لتحمي سيادتها، والمواطن في الأردن
يجادل ليحمي كرامته وحقه في حياة كريمة.
إن الإنسان حين يبلغ مرحلة متقدمة من العمر،
لا يكون في ذروة قدرته الجسدية والنفسية كما كان في سنوات الشباب ، بل يصبح أكثر ميلا
للهدوء والاستقرار وأكثر حاجة إلى الرعاية والطمأنينة ولهذا فإن فلسفة الضمان الاجتماعي
في جوهرها تقوم على مبدأ العدالة الاجتماعية، أي أن يحظى العامل بعد سنوات طويلة من
العمل بمرحلة استراحة يستعيد فيها حياته بعيدا عن ضغوط الوظيفة والعمل اليومي.
ومن هنا فإن النقاش حول قانون الضمان ليس
مجرد نقاش قانوني أو اقتصادي، بل هو نقاش اجتماعي وإنساني يتعلق بجودة الحياة وكرامة
الإنسان. فالمعادلة التي تبحث عنها المجتمعات دائما هي تحقيق التوازن بين استدامة الصناديق
المالية وبين العدالة للمواطن الذي أفنى سنوات عمره في العمل والإنتاج.
وفي نهاية المطاف، قد تختلف طبيعة المعارك
بين دولة تسعى إلى تعزيز قوتها العسكرية ومجتمع يناقش قانونا اجتماعيا، لكن القاسم
المشترك يبقى واحدا: البحث عن الكرامة وصون الحقوق في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
فالدول تحارب لتحمي سيادتها، والمواطن يناضل بالكلمة والرأي ليحمي كرامته،
وهكذا، بين ضجيج الصواريخ في ساحات الصراع، وضجيج النقاشات تحت قبة البرلمان، تبقى
الكرامة الإنسانية هي القضية الأهم التي تدور حولها كل المعارك، سواء كانت عسكرية أو
اجتماعية.