يقف تل إربد اليوم شامخاً كشاهد عيان على فصول التاريخ التي مرت بها مدينة إربد، من العصور البرونزية السحيقة وصولاً إلى العصر الحديث. هذا التل الذي يتربع في قلب المدينة، ليس مجرد تضريس جغرافي، بل هو خزانة أسرار تحتضن في جوفها طبقات من الحضارات المتلاحقة التي صاغت هوية المنطقة عبر آلاف السنين.
جغرافيا متميزة ومركزية تاريخية :
بمساحة تبلغ 10 هكتارات ( الهكتار الواحد يساوي 10.000 متر مربع )، وارتفاع يصل إلى 577 متراً فوق سطح البحر، يعد تل إربد واحداً من أكبر التلال الأثرية في شمال غرب الأردن. يمثل التل المركز الحيوي لمدينة إربد الحديثة، ويطل بمهابة على معالمها التي تسرد أمجاد الماضي. وقد لفتت أهميته الجيوسياسية والتاريخية أنظار كبار علماء الآثار الأوائل مثل جلوك وهاردنج.
منارات العلم على ثرى التل :
لم يكن التل مركزاً عسكرياً أو سكنياً فحسب، بل كان مهداً للنهضة التعليمية في الأردن، فعلى جنباته وترايخ حوافه، تناثرت أهم دور العلم :
مدرسة إربد الثانوية ( مدرسة اربد الاولى ) : التي خرجت أجيالاً من القادة والمفكرين الذين ساهموا في بناء المملكة.
ثانوية حسن كامل الصباح : إحدى أقدم مدارس الأردن التي لا تزال قائمة كشاهد على شموخ المكان.
مدرسة إربد الصناعية : التي تربعت على حافته الشمالية، ورفدت السوق الأردني بالأيدي العاملة المؤهلة، لتكون ذراعاً اقتصادياً وتنموياً للمدينة.
رحلة التنقيب : كشف المستور من العصر البرونزي
بدأت قصة الاكتشافات الأثرية في الستينيات، لكن التحول الجذري تم في عام 1984 م إبان الحفريات الإنقاذية التي أجرتها دائرة الآثار العامة، تلتها حملات منظمة في عامي 1985 م و1986 م بالتعاون مع معهد الآثار والأنثروبولوجيا في جامعة اليرموك.
وقد خلصت الدراسات إلى تحديد ثلاث مراحل استيطان رئيسية :
المرحلة الأولى : تميزت باستمرارية سكنية واضحة، حيث كشف الفخار عن تواجد بشري لم ينقطع.
المرحلة الرئيسية : تركزت في الجزء الجنوبي من التل وضمت عدة طبقات فرعية.
مرحلة الأصول ( 3200 ق.م ) : كشفت الحفريات في مربع صغير ( 2×2 م ) عن فخار يعود لما قبل 5000 عام، وجد بجانب جدران أثرية محطمة.
كما كشفت المسوحات عن سور بازلتي ضخم كان يحيط بالمدينة القديمة، بني في العصر البرونزي المتوسط وأعيد تأهيله في العصر الحديدي، مما يعكس الأهمية الدفاعية للتل.
كنوز معروضة وذاكرة معمارية :
في متحف كلية الآثار بجامعة اليرموك، تُعرض اليوم قطع نادرة استخرجت من السوية الثانية، وهي المرحلة الانتقالية بين العصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي. وتضم هذه المقتنيات قاعدة مبخرة على شكل نخلة، كؤوس فخارية، ومصابيح أثرية، عُثر عليها جميعاً في حجرة واحدة، لترسم ملامح الحياة اليومية للإنسان القديم.
وعند الحديث عن المعمار، يبرز دار السرايا كمعلم حضاري شامخ فوق التل. هذا المبنى الذي وصفه الرحالة شوماخر بدقة عام 1885 م، تميز بجناحيه وتصميمه العسكري الفريد، ليكون حلقة الوصل بين الإدارة العثمانية والنمو المدني لمدينة إربد التي كانت تنمو جنوب التل الصناعي.
يبقى تل إربد أكثر من مجرد معلم أثري، إنه الحارس الذي لا ينام، يجمع بين عبق التراث وضجيج الحاضر، ليظل عنواناً لحضارة لا تزال تنبض بالحياة فوق أرض الأردن المباركة.