بقلم العميد الركن المتقاعد الدكتور عبدالمجيد علي الكفاوين
في بيئة إقليمية مضطربة تتسم بتسارع التحولات وتعدد بؤر الصراع، تبرز الدولة الأردنية كنموذج للاستقرار المرتكز إلى ثوابت استراتيجية راسخة، يتقدمها أمن الدولة واستقرارها بوصفهما خطًا أحمر لا يخضع للمساومة أو التجاذبات. فالأردن، بحكم موقعه الجيوسياسي الدقيق، يدير معادلة استراتيجية معقدة تقوم على تحقيق التوازن بين تحصين الجبهة الداخلية والانخراط الواعي في محيط إقليمي شديد التعقيد.
إن تماسك الجبهة الداخلية يمثل الركيزة الأساسية في بناء القدرة الوطنية الشاملة، حيث يستند إلى وحدة وطنية صلبة، وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، ومؤسسات أمنية وعسكرية محترفة تمتلك الجاهزية والكفاءة للتعامل مع طيف واسع من التهديدات. وفي هذا الإطار، يتجلى الأمن الوطني الأردني كمنظومة شمولية متكاملة، تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يعزز مناعة الدولة ويرفع قدرتها على امتصاص الصدمات ومواجهة التحديات.
أما على الصعيد الإقليمي، فينتهج الأردن مقاربة تقوم على العقلانية الاستراتيجية والحياد الإيجابي، بما يضمن حماية المصالح الوطنية دون الانزلاق إلى محاور أو صراعات استنزافية. وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ مكانة الأردن كفاعل إقليمي موثوق، يؤدي أدوارًا محورية في التهدئة وبناء التوافقات والدفع نحو الحلول السياسية، مستندًا إلى رصيد متراكم من المصداقية والاعتدال.
ولا تنطلق الفاعلية الأردنية من منطق ردود الفعل، بل من قراءة استراتيجية استباقية تستشرف المخاطر وتوازن بدقة بين الفرص والتحديات، بما يتيح توظيف الموقع الجغرافي والدور السياسي لخدمة المصالح العليا للدولة. وعليه، فإن أي انخراط إقليمي يظل محكومًا بثابت وطني صارم: عدم المساس بالأمن الوطني أو تعريض الاستقرار الداخلي لأي مخاطرة.
وفي المحصلة، ترتكز المعادلة الاستراتيجية الأردنية على ثلاثية حاكمة: جبهة داخلية متماسكة، وقرار سيادي مستقل، ودور إقليمي متزن وفاعل—وهي ثلاثية تضمن للأردن الاستمرار كنموذج للاستقرار، وركيزة في منظومة الأمن الإقليمي، وحارس أمين لمصالحه الوطنية العليا.