استعرض في هذا المقال الدور الاستراتيجي للواء 40 المدرع في حماية دمشق وصناعة النصر العربي في حرب تشرين ( رمضان ) 1973 م :
لم يكن عبور الدبابات الأردنية لحدود الوطن في تشرين الأول عام 1973 م مجرد تحرك عسكري عابر ، بل كان زلزالاً تكتيكياً ضرب خاصرة العدو في الجولان السوري المحنل . على الروابي البركانية الوعرة ، سطر لواء الملك الحسين بن طلال المدرع الملكي / 40 ، الملقب بـ " لواء الحديد والنار " ، ملحمة من ملاحم البطولة والشهادة ، حيث تحولت دبابات " السنتوريون " إلى سد منيع حمى العاصمة السورية دمشق من السقوط ، وأثبت للعالم أن العقيدة القتالية للجندي الأردني هي الرقم الصعب في معادلات الصراع العربي - الإسرائيلي .
الانطلاقة : معجزة اللوجستيك وسرعة المباغتة :
في غضون ساعات قليلة من اندلاع المعارك ، أثبت اللواء 40 كفاءة استثنائية في التحرك الاستراتيجي . حيث قطع اللواء مئات الكيلومترات من قواعده في مدينة الزرقاء وصولاً إلى الجبهة السورية ، في عملية نقل لوجستي تُدرس حتى اليوم كنموذج للقدرة على المناورة البعيدة المدى . هذا التحرك السريع والمباغت قلب الموازين على الأرض ، إذ لم يتوقع العدو تعزيزات بهذا الحجم والسرعة في قطاع الجولان .
خارطة العمليات : جغرافيا الصمود في " مناطق القتال او القتل " :
تمركزت القوات الأردنية في القطاع الجنوبي للجبهة السورية ، حيث تحولت التضاريس الوعرة إلى حصون منيعة . ومن أبرز ساحات القتال التي شهدت بطولات اللواء :
تل الحارة : نقطة الارتكاز الاستراتيجية التي انطلقت منها الهجمات .
تل مسحرة : مسرح أعنف معارك الدبابات المباشرة يومي 16 و 19 تشرين الأول / أكتوبر 1973 م .
بلدات جبا وأم باطنة : حيث تم تدمير منصات صواريخ العدو وإسناد القوات الشقيقة .
تل عنتر وتل المساحة : مناطق الاشتباك التي شهدت صيد دبابات العدو بدقة متناهية .
محور سعسع : خط الدفاع الأخير الذي منع أي خرق باتجاه دمشق .
الفن التكتيكي : براعة القنص والدفاع المتحرك :
تميز اللواء 40 بتطبيق مبدأ الدفاع المتحرك ، فبدلاً من الثبات في نقاط مكشوفة ، اعتمد اللواء على استدراج القوات المعادية نحو " مناطق القتال او القتل " المخطط لها ، حيث كانت مدافع الـ 105 ملم تحصد أهدافها بدقة . لقد أثبتت هذه المناورات أن براعة الجندي الأردني ، وقدرته على اتخاذ القرار الميداني تحت وطأة التشويش ، هي العنصر الحاسم الذي أربك صفوف العدو وأجبره على التوقف .
قادة الميدان : صناع النصر :
قاد هذه الملحمة كوكبة من الضباط الأردنيين الذين سجلوا بوعيهم العسكري ملاحم خالدة ، ومنهم :
العميد الركن خالد هجهوج المجالي ( قائد اللواء المدرع 40 ) .
لم يكن الثمن الذي دفعه اللواء 40 بسيطاً ، فقد قدم كوكبة من الشهداء الأبرار الذين سطروا بدمائهم أسمى معاني الفداء ، وفي مقدمتهم :
1 . عريف عيد ثاني زويدي المساعيد ( أول شهيد أردني استشهد ) ( المفرق ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 13 / 10 / 1973 م .
2 . عريف عبيدالله محمد محيسن البريكات ( الكرك ) كتيبة الأمير عبدالله / 1 الأراضي السورية 15 / 10 / 1973 م .
3 . ملازم أول فريد أحمد عبدالحميد الشيشاني ( الزرقاء ) كتيبة الدبابات / 2 الأراضي السورية 16 / 10 / 1973 م .
4 . رقيب عبدالله عيد سليمان الغنميين ( معان ) كتيبة الدبابات / 3 الأراضي السورية 16 / 10 / 1973 م .
5 . رقيب رشيد راشد مسلم الرواحنة ( مأدبا ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 16 / 10 / 1973 م .
6 . عريف خلف عبدالله جلال السليمانيين ( معان ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 16 / 10 / 1973 م .
7 . جندي أول فضل خلف مطير الحديثات ( مأدبا ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 16 / 10 / 1973 م .
8 . جندي أول خلف سليم عيد حداد ( عجلون ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 16 / 10 / 1973 م .
9 . جندي أول عبد الرحمن محمد ثلجي الزوغه ( مأدبا ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
10 . جندي علي موسى حسن المهاودة ( اربد ) كتيبة الدبابات / 2 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
11 . جندي سالم كساب زعل الدبايبة ( عمان ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
12 . جندي أول محمد سليم علي المحاميد ( الكرك ) كتيبة الدبابات / 12 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
13 . جندي محمد سليمان محمد حياصات ( البلقاء ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
14 . جندي محمد عبدالله علي شويات ( عجلون ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
15 . جندي مفلح علي عبدالله الصبيحات ( المفرق ) كتيبة الدبابات / 2 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
16 . عريف عبد ربه عوض محمود الجيزاوي ( اربد ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
17 . عريف سعيد محمد عبدالله القضاة ( عجلون ) كتيبة الدبابات / 2 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
18 . عريف جدوع سليم ادغيم السعيدين ( الطفيلة ) كتيبة الدبابات / 2 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
19 . جندي أول محمود مطلق محمد النعيمات ( معان ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
20 . جندي أول شبيب محمد خلف الرحايمة ( اربد ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
21 . جندي راجي عبداللطيف قبلان ( مأدبا ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 19 / 10 / 1973 م .
22 . رقيب عبيد خلف الهيلم بني صخر ( مأدبا ) كتيبة الدبابات / 4 الأراضي السورية 23 / 10 / 1973 م .
23 . جندي أول سلامة محمد سليمان أبو راجوح ( مأدبا ) كتيبة الأمير عبدالله / 1 الأراضي السورية 26 / 10 / 1973 م .
التكامل العربي : جدار الفولاذ :
أظهر اللواء 40 قدرة نادرة على التنسيق الميداني مع الفرقة المدرعة الثالثة العراقية والقوات السورية . شكل هذا التحالف العربي " جداراً من الفولاذ " أمن الجناح الأيسر وحمى دمشق . كان هذا التناغم نموذجاً لما يمكن أن يحققه العمل العسكري العربي المشترك حين تتوفر الإرادة والقيادة الميدانية الشجاعة .
يظل اللواء 40 المدرع رمزاً حياً للقوة الأردنية ، ليس بما يملكه من دبابات وعتاد فحسب ، بل بما يحمله رجاله من روح قتالية لا تلين ، وإرث عسكري يمتد من رمال الصحراء إلى قمم الجولان ، مؤكداً أن " الحديد والنار " ليس مجرد لقب ، بل هو وعدٌ دائم بالدفاع عن الحق والكرامة .