هل كان التاريخ الإسلامي مجرد ساحات للمعارك وغرف لتدوين الدواوين والكتب ؟ إن القراءة الأحادية للتاريخ غالباً ما تسقط في فخ الاختزال ، ولعل من أكثر المفاهيم التي شوهها هذا الاختزال في وعينا المعاصر ، هي تلك النظرة التي تحبس مجتمعاتنا الأولى في إطار من الصرامة المطلقة والجدية التي تخلو من الابتسامة والبهجة . والحقيقة التي ترويها لنا بطون الكتب تؤكد أن الإسلام ، كفطرة إنسانية ، جاء ليزن بميزان الذهب بين متطلبات الروح المادية وأشواقها المعنوية ، فشرّع الترويح عن النفس كضرورة لإعادة شحن الطاقات وصقل النفوس ، ما دام هذا الترفيه نقياً لا تشوبه شائبة ولا يلهي عن واجب .
وإذا ما أطلقنا العنان لخيول الفكر لنتتبع مسيرة التسلية والترويح عبر الجغرافيا والتاريخ الإسلامي ، فإننا سنقف أمام مشهد درامي مذهل في تطوره ، تدرج من البساطة الفطرية في الصحراء ، إلى الأبهة المترفة في الشام ، وصولاً إلى ذروة التمازج الحضاري والعمق الذهني في بغداد .
أولاً : العهد النبوي والراشدي ( ترفيه الفطرة وإعداد القوة ) :
في فجر الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 622 م ، كانت وسائل التسلية تنساب كالينابيع العذبة بفطرة لا تكلف فيها . هناك ، لم يكن الترفيه مجرد قتل للوقت ، بل كان وسيلة لبناء جسد قوي وروح متآلفة قادرة على حماية هذا المجتمع الوليد .
في المضمار البدني : تربع فن الرماية على عرش الرياضات ، وكان النبي ﷺ يشجع رماة السهام ويبارك فيهم . كما عرف المسلمون الأوائل المصارعة كاختبار للفتوة دون إيذاء للخصم ، وتجلت الفروسية والمسابقة بالأقدام كأجمل صور التنافس الشريف ، بل إننا نرى النبي ﷺ يسابق زوجه عائشة رضي الله عنها في مشهد يفيض حباً ورحمة وإنسانية .
في الفضاء الاجتماعي : كان الصحابة بعد عناء يومهم يكسرون روتين الجدية بمسامرات المساء ، يتبادلون فيها أطايب الشعر المباح والأحاديث الطريفة ، وسمح الإسلام بالدفوف والغناء البريء في الأعراس والأعياد ، بل إن باحة المسجد النبوي نفسه شهدت ذات عيد استعراضاً مبهراً بالحراب قدمه وفد من الحبشة برعاية وتشجيع نبوي كريم .
وتأتي مقولة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخالدة : علِّموا أولادكم السباحة والرماية ، ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثباً لتضع لنا دستور الترفيه في ذلك الزمان .
حينما اتسعت رقعة الفتوحات وتدفقت الخيرات على العواصم الجديدة ، تبدلت ملامح الحياة . ورغم أن الأمويين احتفظوا بعشقهم الأزلي للرياضات العربية الأصيلة ، إلا أنهم ألبسوها رداءً باذخاً من التنظيم والأبهة الملكية .
سباقات الخيل المنظمة : هنا لم تعد السباقات عفوية ، بل غدت رياضة كبرى يشرف عليها خلفاء كبار مثل هشام بن عبد الملك ، وتُرصد لها الجوائز المالية الضخمة ، وتُقيد أسماء الخيول وأنسابها في دواوين خاصة تمنع أي تلاعب .
رحلات الصيد وقصور البادية : تحول القنص من كونه وسيلة لجلب القوت قديماً إلى رياضة ملوكية باذخة تُستخدم فيها الصقور المدربة والكلاب السلوقية السريعة ، وبنى الخلفاء لأجل ذلك القصور بادية الشام لتكون واحات ومقرات صيفية للاستجمام وممارسة هذه الهواية .
مجالس الأدب والمساجلات : فتحت القصور ( قصور الخلفاء والامراء ) أبوابها للشعراء والقصاصين ، فازدهرت مجالس الأدب التي تروي الحكايات المسلية والقصائد العذبة التي تروح عن النفس بذكاء وبلاغة .
ثالثاً : العصر العباسي ( قمة المدنية وتلاقح الحضارات ) :
بحلول العصر العباسي ، وبزوغ نجم بغداد كعاصمة للدنيا وقبلة للفنون ، انفتحت الدولة على حضارات الفرس والهند واليونان . هذا التلاقح المعرفي أحدث ثورة حقيقية في مفاهيم التسلية ، فتراجع الترفيه العضلي البدني خطوات إلى الوراء ، ليترك الصدارة للترفيه الذهني والمهاري الجماعي الذي تطلبه حياة المدن الفاخرة ، حتى سقوط بغداد عام 1258 م .
الشطرنج والرياضات الفكرية : تربع الشطرنج على عرش الألعاب في هذا العصر العباسي الزاهر بعد أن وفد من الهند وفارس ، ليصبح لعبة الملوك والعلماء ، وكان الخليفة هارون الرشيد من أشد الشغوفين به لكونه رياضة عقلية تعتمد على التخطيط والتكتيك العسكري .
لعبة الصولجان والكرة : في الميادين العباسية الفسيحة ، شاعت لعبة الصولجان الشبيهة بالبولو في وقتنا المعاصر ، حيث كان يمارسها الملوك والامراء والوزراء لإظهار مهارتهم في قيادة الخيل وضرب الكرة بالمضارب الخشبية الطويلة .
الفنون البصرية والفرجة الشعبية : شهد العصر العباسي ولادة الفنون البصرية المتمثلة في فن خيال الظل ، وانتشر الحكواتية في المقاهي والمساحات العامة يسردون قصص الأبطال وسير المغامرات الملحمية ، كما تبلورت الموسيقى كعلم وفن منظم برزت فيه أسماء ملأت الدنيا وشغلت الناس مثل إسحاق الموصلي وزرياب .
الضوابط الأخلاقية للترويح :
إن هذا التطواف التاريخي الممتع يقودنا لليقين بأن المسلمين لم يكونوا يوماً بمعزل عن حب الحياة والتمتع بمباهجها الطيبة ، إلا أنهم صبغوا حركتهم الترفيهية بضوابط الشريعة السمحة . فمنع الفقهاء كل لعبة أفضت إلى القمار والميسر ، وحرموا كل رياضة تسببت في إيذاء الحيوان وتعذيبه ، وظل شعارهم ومحركهم الدائم هو الكلمة الخالدة : روّحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة ، فإن القلوب إذا كلّت عميت .
قائمة المصادر والمراجع :
أولاً : الموسوعات والمقالات الفكرية :
أ ) إسلام أون لاين : قراءات في وسائل الترفيه في العصور الإسلامية وفن خيالالظل .
ب ) شبكة الجزيرة الإعلامية : موسوعة الجزيرة التوثيقية ، العالم الإسلامي التاريخ و الجغرافيا .
ج ) موقع العالم الإلكتروني : دراسات وبحوث فكرية حول المظاهر الحضارية في التاريخ الإسلامي .
ثانياً : الدراسات والبحوث الأكاديمية المحكّمة :
أ ) قاعدة المنظومة للبحوث والدراسات العربية : أبحاث وسجلات تاريخية محكمة حول النظم الاجتماعية والترفيهية في العصور الإسلامية ، رقم السجل (779148) .
ب ) المجلة السورية التخصصية للعلوم : دراسات وبحوث محكمة متخصصة في توثيق الأنشطة الترويحية والممارسات الاجتماعية في التراث الإسلامي .
ثالثاً : المصادر التراثية المساعدة :
ا ) الأصفهاني ، أبو الفرج : كتاب الأغاني ( لتوثيق مجالس السمر العباسية والموسيقى ) .ب ) المسعودي ، أبو الحسن : مروج الذهب ومعادن الجوهر ( لتوثيق قصور البادية ورحلات الصيد الأموية والعباسية ) .