ليست المشكلة في أن نكتشف الخلل، بل في توقيت اكتشافه. فبعض المسؤولين – وللأسف – لا يرون العيوب إلا بعد مغادرتهم مواقعهم، وكأن الحقيقة لا تُقال إلا حين تسقط عنهم صفة المسؤولية.
نسمعهم وهم على الكرسي يؤكدون أن "كل شيء تمام”، وينفون وجود أي خلل، ويطالبون الناس بعدم الالتفات إلى "الشائعات”، ويشددون على ضرورة استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية. لكن ما إن يغادروا مواقعهم، حتى يتحول الخطاب ذاته إلى نقيضه؛ فيُصبح ما كان "شائعة” بالأمس "حقيقة”، وما كان "مبالغة” يصبح "كارثة”.
الحقيقة لا تتغير بتغيّر الكرسي… الذي يتغير هو من كان يخفيها.
هذا التحول لا يمكن تفسيره بحسن النية دائمًا، بل يطرح تساؤلات جوهرية:
هل كان المسؤول يعلم بالخلل وسكت عنه؟
أم أنه لم يكن على دراية بما يجري داخل مؤسسته ؟
وفي الحالتين، نحن أمام إشكالية خطيرة؛ إما تغييب للحقيقة، أو ضعف في الإدارة.
إذا كنت تعلم وسكتّ فهذه خيانة… وإن لم تعلم فتلك مصيبة أكبر.
ووسط هذا التناقض، يبرز سؤال لا بد منه:
هل كنتَ ترى كل شيء "تمامًا” لأنك كنت تتحصل على مكاسب، فلما انقطعت عنك بدأت تتكلم وتُنفّس ما في صدرك؟
الصمت عن الخطأ وأنت مسؤول… شراكة فيه، وليس حيادًا.
فالمسؤولية ليست موقعًا للتبرير، بل موقفًا للمواجهة. ومن يُجمّل الواقع وهو في موقع القرار، لا يملك حق تشويهه بعد مغادرته.
تأخر قول الحقيقة لا يجعلك شجاعًا… بل يكشف أنك كنت جزءًا من المشكلة.
إن أخطر ما في هذه الازدواجية، أنها تهز ثقة الناس بالمؤسسات، وتفتح الباب أمام الإشاعة لتتمدد، حين يصبح المسؤول نفسه – دون أن يشعر – جزءًا مما كان يحذر منه.
الوطن لا يحتاج أصواتًا ترتفع بعد انتهاء الدور، بل يحتاج مواقف تُصنع في لحظة القرار. فالمناصب زائلة، لكن المواقف باقية، والتاريخ لا يكتب ما قيل بعد الرحيل… بل ما قيل في وقت المسؤولية.