في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، برزت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي هدد فيها باستهداف مواقع ثقافية إيرانية (بلغت 52 موقعاً في تصريحات سابقة)، معتبراً أن "تدمير كل شيء" هو خيار متاح. يضع هذا التهديد العالم أمام تساؤل جوهري: هل يمكن لقوة عسكرية، مهما بلغت سطوتها، أن "تبيد" حضارة ضاربة في القدم؟ من خلال هذه المقارنة بين الحضارتين الفارسية والأمريكية من حيث العمق التاريخي، والإرث الثقافي، والقدرة على البقاء. نجيب على ذلك.
أولاً: المقارنة التاريخية (الجذور مقابل الفروع)
العمر الزمني :
الحضارة الفارسية تمتد لأكثر من 3000 عام (منذ الدولة المادية والأخمينية 550 ق.م).
الحضارة الأمريكية تمتد لنحو 250 عاماً منذ إعلان الاستقلال عام 1776.
البنية الثقافية:
الحضارة الفارسية ترتكز على هوية لغوية (الفارسية) وشعرية وفلسفية تراكمية عبر العصور.
الحضارة الأمريكية: ترتكز على قيم "الحلم الأمريكي"، الفردية، الديمقراطية، والاقتصاد الرأسمالي.
الاسهام البشري:
الحضارة الفارسية ساهمت في ابتكار أول نظام بريدي، القوانين الحقوقية (منشور كورش)، الري بالقنوات، وفنون العمارة.
الحضارة الأمريكية: ساهمت في ابتكار التكنولوجيا الحديثة، الثقافة الشعبية العالمية (هوليوود)، وقيادة الثورة الرقمية.
القدرة على الصمود والاستمرار: الحضارة الفارسية صمدت أمام غزوات (الإسكندر المقدوني، الفتح الإسلامي، المغول) وامتصت هذه الثقافات.
الحضارة الامريكية لم تتعرض لاختبار "البقاء تحت الاحتلال" أو الاندثار الثقافي؛ قوتها نابعة من ازدهارها.
ثانياً: استحالة "إبادة" حضارة عسكريا
من الناحية الواقعية والتاريخية، يجمع الخبراء على أن تهديد ترامب يواجه عوائق تجعل "الإبادة" مستحيلة عملياً:
1.الحضارة ليست "مباني":
الحضارة الفارسية ليست مجرد "مواقع ثقافية" (مثل برسيبوليس أو نقش رستم)، بل هي كتلة ثقافية تسكن في اللغة، والأدب (حافظ وسعدي والخيام)، والعادات التي يتبناها ملايين البشر حول العالم. تدمير الأثر لا يقتل الفكرة.
2.القانون الدولي كجدار حماية:
استهداف المواقع الثقافية يُصنف كجريمة حرب وفقاً لاتفاقية لاهاي لعام 1954. حتى داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، يواجه القادة معضلة أخلاقية وقانونية في تنفيذ أوامر "غير قانونية بشكل صارخ" قد تضعهم تحت طائلة المحاكمات الدولية.
3.الجغرافيا الوعرة:
إيران ليست مجرد أهداف عسكرية، بل هي تضاريس جبلية معقدة (جبال زاغروس والبرز) جعلت تاريخياً من "السيطرة الكاملة" عليها أو محو هويتها أمراً لم ينجح فيه حتى أقوى الفاتحين.
ثالثاً: ميزان القوى
بينما تتفوق الولايات المتحدة بميزانية عسكرية تتجاوز 800 مليار دولار وقدرة تدميرية تكنولوجية لا تُقارن مع الإيرانية، إلا أن "تدمير الدولة" يختلف تماماً عن "تدمير الحضارة".
•أمريكا: تملك القوة لتعطيل البنية التحتية، والمطارات، والمنشآت النووية كما قال ترامب "يوما محطات الطاقة").
•إيران: تملك "القوة الناعمة" التاريخية التي جعلت الفرس تاريخياً يذيبون الغازي في ثقافتهم كما حدث مع المغول الذين انتهى بهم الأمر بتبني الثقافة الفارسية.
هل ينجح ترامب؟
التاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريات العسكرية تزول، بينما الحضارات الثقافية تتحول وتستمر. قد يتمكن ترامب من إلحاق ضرر مادي جسيم بإيران كـ "دولة"، لكن القضاء على "الحضارة الفارسية" يتطلب محو ذاكرة ملايين البشر ولغتهم، وهو أمر لم تنجح فيه آلات الحرب عبر التاريخ مما يجعل هذا التهديد في مهب التاريخ