في وقت تتسارع فيه عقارب الساعة نحو تهدئة محتملة، يعيش لبنان مشهداً سريالياً؛ حيث تلتقي مقترحات الهدنة "الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية" على طاولات المفاوضات الدولية، بينما ترسم طائرات سلاح الجو الإسرائيلي حدوداً جديدة بالدم والدمار على الأرض. تشير تقارير مراكز الأبحاث الدولية مثل (Crisis Group) و**(CSIS)**، إلى أننا أمام مرحلة "عض أصابع" أخيرة تسبق أي اتفاق مرتقب في عام 2026.
1. المقترح الثلاثي: ماذا يوجد على الطاولة؟
تؤكد مصادر صحفية رصينة مثل "نيويورك تايمز" و**"هآرتس"** أن المفاوضات الجارية ليست لبنانية-إسرائيلية فحسب، بل هي "هندسة إقليمية" تشمل:
•المسار الإيراني-الأمريكي: تفاهمات ضمنية تقضي بتهدئة "محور المقاومة" مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية عن طهران، وضمان عدم انزلاق المواجهة إلى حرب شاملة تهدد إمدادات الطاقة العالمية.
•المطالب الإسرائيلية "الصلبة": تصر تل أبيب على "حرية الحركة الجوية والبرية" في لبنان حال وقوع أي خرق، وهو ما تعتبره بيروت "انتقاصاً للسيادة" وتفجيراً للقرار 1701 من الداخل.
•الوساطة الفعالة: تلعب دول إقليمية دور "ساعي البريد" الموثوق لنقل الضمانات الأمنية بين واشنطن وطهران لضمان التزام الأطراف الميدانية.
2. استراتيجية "التفاوض تحت النار"
يرى محللو معهد دراسة الحرب (ISW) أن تصعيد الغارات الجوية الإسرائيلية المتزامن مع المبادرات الدبلوماسية ليس عشوائياً، بل يهدف إلى:
•تحسين شروط التفاوض: الضغط على الجانب اللبناني ومن خلفه طهران للقبول بملحق "أمني" للقرار 1701 يضمن إبعاد أي تهديد عن الحدود الشمالية لإسرائيل.
•الاستنزاف الاستراتيجي: تدمير ما تبقى من بنية تحتية لوجستية قبل سريان مفعول أي هدنة، لضمان فترة "هدوء طويلة" ناتجة عن ضعف القدرة على إعادة البناء السريع.
3. الواقع على الأرض: الفجوة بين النص والميدان
بينما يتحدث الدبلوماسيون عن "هدنة تقنية"، تظهر المعطيات الميدانية واقعاً معقداً:
•أزمة النزوح: أكثر من مليون نازح لبناني يشكلون ضغطاً هائلاً على الدولة اللبنانية، وهو ما تستخدمه إسرائيل كـ "ورقة ضغط" لتسريع القبول بالشروط الدولية.
•السيادة الوطنية: يواجه المفاوض اللبناني مأزقاً؛ فقبول الشروط الإسرائيلية يعني "وصاية أمنية"، ورفضها يعني استمرار آلة الدمار الجوي في حصد الأخضر واليابس.
4. رؤية مراكز الأبحاث: هل الهدنة وشيكة؟
تتفق كبرى مراكز الدراسات (مثل Chatham House) على أن الهدنة الحالية، إن حدثت، ستكون "هدنة ضرورة" لا "اتفاق سلام":
1.واشنطن: تريد إغلاق هذا الملف لتركيز جهودها على ملفات دولية أخرى قبل الدخول في معمعة الانتخابات والتحولات السياسية الداخلية لعام 2026.
2.إيران: تسعى لحماية "درةتاجها" الإقليمية (لبنان) من الانهيار الكامل الذي قد يؤدي إلى فقدان نفوذ استراتيجي بني على مدى عقود.
3.إسرائيل: بحاجة لإعادة سكان الشمال إلى بيوتهم، وهو مطلب شعبي داخلي لا يمكن تحقيقه إلا باتفاق أمني يضمن هدوءاً طويل الأمد.
الخلاصة: لبنان اليوم هو المختبر الحقيقي لمدى نجاح الدبلوماسية "الإيرانية-الأمريكية" في لجم الطموحات العسكرية الإسرائيلية. وبحسب الواقع، فإن "طائرات إسرائيل في الجو" هي التي تملي هوامش الربح والخسارة، بينما تظل "المقترحات على الطاولة" بانتظار لحظة توازن القوى النهائية التي قد تعلن ولادة هدنة هشة، أو جولة جديدة من صراع لا يعرف الحدود.