كانت البداية في ظهوره الأوّلِ أمام فَـراسَةِ الملكِ المؤسِّسِ عبدِاللهِ الأوّل رحمَه اللهُ ، الذي رأى شابّاً كركيّاً وسيماً في بيتِ المرحوم رفيفان باشا المجالي ، فالتفتَ إليه وأشار الى ان مكان هذا الشابُّ هو الجيش.
لم تكن لفتة عابرة بل قراءةَ اثبتت مع مضي الأيّامُ أنّ الملكَ أعرفُ الناسِ برجالِه.
فقد دخلَ حابسُ رفيفان المجالي المؤسّسةَ العسكريّةَ بصفاته الأصيلة جريَ النهرٍ في البحر، لا متكلَّفاً ولا مُتردِّداً، ولا باحثا عن رتبة بقدرِ ما كانت المعالي تبحثُ عنه ، وما إن احتكَّ بواقعِ الميدانِ حتّى كشفَ عن معدنِه الحقيقيّ حين اعتدى ضابطٌ بريطانيٌّ على جنديٍّ أردنيّ، فلم يحسبْ حساباً لرتبةٍ أو عاقبة، فردَّ عليه بيده ، وعندما مَثُلَ أمامَ القضاء ، لم ير َ حابس ما يستوجبُ الاعتذار فقال لو لم يمنعني الرفاقُ لفعلتُ أكثر.
كان ذلك أحد دروسِه في تعريفِ الكرامةِ التي لا تتجزَّأ، و،لا تتوقَّفُ عندَ حدودِ الرتبةِ ولا تنحني لعصا المستعمر.
وفي اللطرون عام ثمانيةٍ وأربعين، صمدَ ابو سطام مع ألفٌ ومئتي جنديٍّ أردنيٍّ بقيادتِه للكتيبة الاردنية الرابعة في وجهِ ستّةِ آلافٍ وخمسمئة من جيش العدو ، وحين شارفَتِ الذخيرةُ على النفاد، أخرجَ مسدسَه وعدَّ طلقاتِه أمامَ جنودِه وقال : خمسٌ للعدو، والسادسةُ لي لكي لا أقعَ أسيراً ، وقال عبارته الشهيرة في حث الجنود على القتال : "المنيّةُ ولا الدنيّة" ، فصمد ورفاقه حتى تحقق النصر المؤزر ، وحين جاءت الهدنةُ لتُغري المنهكين بالراحة، ردَّ حابس على كلوبَ باشا شعراً ليُملي سرديّتَه البدوية للتاريخِ :
ماريدُ أنا هدنةٍ يا كلوب.. خلّي البواريد رجّاده
بيوم قيظ بحرِّ الشـوب.. والنار بالجوِّ وقّاده
خلّهم يحسبوا لِنا محسوب.. إنّا على الموت ورّاده.
ذلك هو حابس المجالي الذي توسم الملكُ المؤسِّسُ فيه خيرا فصدقت رؤيته رحمه الله ، وأحبَّه الحسينُ الباني رحمه الله وائتمنَه على أعتى لحظاتِ الدولة فكان لها ، والذي كرَّمَه الملكُ المعزز عبدُالله الثاني حفظه الله و وجه بأن يصبح تاريخُه شاهداً على ذاكرةِ الوطن.
لقد رحلَ حابس المجالي في مثلِ هذا اليوم من عامِ ألفَين وواحد، و لم يترك، ثروةً خلفه ، بل أرثَ الرجالِ الذين تَستمِدُّ الدولةُ قوتها من نزاهتهم ونظافة أيديهم وما أحوج الوطن اليهم .
رحمَكَ اللهُ يا جدّي إذ علمتنا أنّ الرجولةَ ليست ادِّعاءً يُقالُ في المحافل، ولا وساماً يُعلَّقُ على الصدرِ في المناسبات بل ذخيرة تُحفَظُ لِليومِ الذي يستحقُّ فيه الوطنُ كلَّ شيء، فسلامٌ يليق بروحك التي حفظت سلاحَها وصانت ضميرها في حبِّ الاردنّ حتى الرّمَـقِ الأخير .