في سياق توثيق سير رجال الجوف الذين تركوا بصمتهم في ذاكرة المنطقة، يبرز اسم الجندي جارالله بن عبدالله الهفيل الضويحي الخالدي كأحد النجوم اللامعة في سلسلة "نجوم في سماء الجوف”، رجلٌ جمع بين البسالة في ميادين الجهاد، والانضباط في مسيرته الوظيفية، والعصامية في بناء حياته.
كان انضمامه إلى الفوج السعودي الذي شارك في الجهاد بفلسطين، بقيادة الملازم أول سعدون بن حسين الشمري، امتداداً لرؤية الملك المؤسس في دعم القضايا العربية والإسلامية، حيث لبّى نداء الواجب رغم قلة التدريب، مدفوعاً بالإيمان والشجاعة.
وُلد في حي الضلع الأثري قرب قلعة زعبل في سكاكا، وعاش طفولة صعبة بعد فقدان والده في "عام السني”، تلك المرحلة القاسية التي أثّرت في أبناء المنطقة. إلا أن التحولات التنموية اللاحقة غيّرت واقع الجوف، لتفتح آفاقاً جديدة للأجيال القادمة.
بعد عودته من ميادين الجهاد، بدأ حياته العملية في مدينة عرعر، حيث شهدت المنطقة حينها ازدهاراً اقتصادياً ملحوظاً. وفي 25/5/1372هـ التحق بالعمل الحكومي كاتباً في جوازات عرعر، ثم تدرّج في عدة مناصب، منها مأمور شؤون الجوازات، ومأمور معاملات، ومراقب في إدارة الجنسيات، حيث عُرف بحزمه والتزامه الصارم بالأنظمة.
وتواصلت مسيرته المهنية متنقلاً بين مواقع المسؤولية، فعمل رئيساً لعدة أقسام، قبل أن يُنقل إلى إمارة أبها باحث قضايا، ثم إلى إمارة القريات عام 1400هـ، حيث شغل مناصب قيادية متعددة، منها مدير مكتب الاتصالات، ومدير شعبة الحقوق العامة، ومدير إدارة الخدمات، حتى وفاته في 1/7/1409هـ.
وبجانب عمله الحكومي، خاض تجربة التجارة في مجال العقار، مؤكداً شخصيته العملية واعتماده على ذاته في بناء مستقبله. وقد خلّف – رحمه الله – عشرة من الأبناء والبنات، سار عدد منهم على خطاه في تحمّل المسؤولية وتولي مواقع قيادية.
رحل جارالله الهفيل الخالدي، لكن أثره بقي حاضراً في ذاكرة الجوف، شاهداً على سيرة رجلٍ صنع من التحديات طريقاً، ومن العمل قيمة، ومن الإخلاص إرثاً لا يُنسى.