في عصرٍ أصبح فيه الهاتف المحمول رفيقنا الدائم، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للدردشة، بل أصبحت فضاءً محكوماً بقوانين صارمة قد تغيّر مجرى حياتك بضغطة إصبع غير مدروسة. ومع صدور قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023، بات لزاماً علينا جميعاً إدراك القواعد الجديدة لتجنب عقوبات قاسية تصل إلى السجن وغرامات مالية قد تكسر الكاهل.
الفخ الذي يقع فيه الكثيرون: "المشاركة” مسؤولية قانونية
يعتقد البعض أن المسؤولية تقع فقط على كاتب المنشور الأصلي، لكن الحقيقة الصادمة في التعديلات الجديدة هي أن إعادة النشر (Share)، أو حتى مجرد إعادة الإرسال لمحتوى يتضمن أخباراً كاذبة أو ذماً وقدحاً، يجعلك شريكاً في الجرم أمام القانون.
قاعدتنا الذهبية:
إذا لم تكن متأكداً من صحة الخبر، فلا تكن جسراً لنشره.
الخطوط الحمراء: 4 مواد قانونية يجب أن تعرفها وتدركها جيداً
وضع المشرّع الأردني ضوابط حازمة لحماية نسيجنا الاجتماعي، ومن أبرزها:
المادة (15) – فخ الذم والقدح:
نشر بيانات تنطوي على تحقير لأي شخص قد يكلفك حبساً لا يقل عن 3 أشهر، وغرامة تصل إلى 20,000 دينار. والأخطر أن النيابة العامة تلاحق هذه الجرائم تلقائياً إذا كانت موجهة ضد مؤسسات الدولة أو موظفيها أثناء عملهم.
المادة (16) – اغتيال الشخصية:
مفهوم قانوني مستحدث يُجرّم نشر معلومات غير صحيحة بقصد الإساءة المعنوية أو المساس بالسمعة، وعقوبته أيضاً قد تصل إلى غرامة 20,000 دينار.
المادة (17) – نيران خطاب الكراهية:
التحريض على العنف أو إثارة الفتنة والنعرات ليس مجرد رأي، بل جريمة، وعقوبتها الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.
المادة (18) – وحش الابتزاز الإلكتروني:
يعاقب كل من يهدد شخصاً للحصول على منفعة بالحبس وغرامة تصل إلى 6,000 دينار، وقد تصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة إذا كان التهديد يمس الشرف أو الاعتبار.
نداء إلى الدرع الحصين والوعي المجتمعي:
بصفتي محامياً مزاولاً لسنوات طويلة، أرى أن خطر الابتزاز الإلكتروني لا يقل شأناً عن خطاب الكراهية. وهنا نوجه التحية لأجهزتنا الأمنية، العين الساهرة، آملين منهم تشديد الرقابة على المنصات التي تتخذ من قضايا الابتزاز وسيلة لتحقيق أهداف مجهولة، بدلاً من التوعية الحقيقية.
ختاماً:
في زمنٍ تُقاس فيه المسؤولية بكبسة زر، لم تعد المسافة بينك وبين المساءلة أكثر من "مشاركة”. تذكّر: الشاشة لا تحميك، والاختباء خلف الحسابات وهم. ما تكتبه اليوم قد يفتح عليك باب محكمة غداً. فاختر كلماتك كما لو أنها ستُقرأ أمام قاضٍ… لأنها قد تُقرأ فعلاً.
وهنا تنتهي الحكاية:
إما وعيٌ يحميك، أو تهوّرٌ يدينك.
فقانون الجرائم الإلكترونية لم يوضع لتقييد حريتك، بل ليكون سياجاً يحمي خصوصيتك وأعراض الناس من العبث الرقمي. تذكّر دائماً أن وعيك هو درعك الأول، وأن الفضاء الرقمي مرآة لأخلاقنا وانتمائنا الوطني.