في بورسعيد المدينة التي تنبضُ بالموانئ، وتلتقي فيها رياح البحر برائحة الذكريات، استقبل مسرحها أحد العروض المصرية المعاصرة التي يمكن وصفها بأنها تجربة بصرية وفكرية متجاوزة، العرض الذي كان جزءًا من الدورة الثامنة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري، حمل في داخله ملامح التجريب الجاد، والاشتباك مع أسئلة الفن في عصر التكنولوجيا؛ فليس غريبًا أن يحصد المركز الأول في المهرجان القومي للمسرح 2024، وأن يُتوَّج قبلها بجائزة السينوغرافيا في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.
تعدّت هذه الفعالية كونها مجرّد حدث ثقافي عابر، فتحولت إلى تجلٍّ حقيقيّ لشعار الدورة الثامنة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري: "إلغاء مركزية القاهرة"؛ فأن تستضيف بورسعيد هذا العرض يتجاوز كونه توزيعًا جغرافيًّا للأنشطة، ليمثل إعادة ترسيم لخرائط الوعي المسرحي، وللمشهد الفني المصري بأسره.
وسط هذه الفعالية النابضة، جاء العرض المسرحي الذي حضرتُه ليأخذ مكانه بوصفه عرضًا ليس تقليديًّا؛ فلا يكتفي بإعادة تمثيل الكلاسيكيات، وإنما يتعدّى ذلك إلى إعادة قراءة تقنية وفكرية لمسرحية "ماكبث" لشكسبير، من خلال تجربة جديدة وجريئة؛ استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة فنية شريكة إبداعية في صياغة العمل المسرحي.
الذكاء الاصطناعي ككاهن مسرحي:
أحد أبرز نقاط الجرأة في هذا العرض كانت في إعلان المخرج محمود الحسيني -بشفافية كاملة- أن المعالجة الفنية للنص تمت بالتعاون مع برنامج ذكاء اصطناعي، فتجاوز بذلك ما اعتدناه من نسب العمل للمخرج أو الكاتب وحده. هذه المصارحة النادرة تحيلنا إلى سؤال فني وأخلاقي عميق: من يملك النص؟ ومن يحق له صياغة الحكاية؟
استخدام الذكاء الاصطناعي في إعادة تأويل ماكبث لا يمكن اعتباره توظيفًا شكليًّا؛ إذ أنه شكّل انغماسًا واعيًا في بنية النص الدرامية، خاصة حين استُبدلت الساحرات –رموز النبوءة والقدر– ببرنامج ذكاء اصطناعي يقدّم لماكبث توقعاته حول المستقبل إثر تحريضه على اغتيال منافسه.
هذه الإزاحة الرمزية من الميتافيزيقي إلى السيبراني لم تكن عابرة؛ فقد أضاءت بذكاء على مفارقة العصر؛ تحول صدور النبوءة من الأرواح الغامضة إلى الخوارزميات، ومن ثَمّ لم يعد مصير الإنسان مرهونًا بالخرافة، وإنما بالتقنية التي صنعها بيده.
ومن أكثر التحولات الرمزية جرأة في هذا العرض استبدال مملكة ماكبث بمصنع، بما يحمله من دلالات عن عصر الإنتاج الميكانيكي، والآلة التي تلتهم الروح البشرية. فجاءت افتتاحية العرض بمشهد صامت على خلفية عقرب ساعات ضخم يدور بسرعة، بينما يتحرك الممثلون في رتابة وسط خطوط الإنتاج، كأنهم روبوتات بلا إرادة. مثّل هذا المشهد اختزالًا بصريًّا لفكرة فقدان الحرية في زمن الماكينة.
كما استُبدلت الساحرات بكيان تكنولوجي هو "مدركة"؛ برنامج تنبؤات يحاكي العقل الاصطناعي، ويقدّم لماكبث نبوءاته حول المستقبل في مقابل الملكة والمملكة. إشارة الممثل في نهاية العرض، وهو يقول: "مدركة قتلت طفلي"، تفتح باب التأويل واسعًا؛ هل التقنية –بوصفها وريثة النبوءة القديمة– تقتل البراءة الإنسانية؟ وهل نحن أمام قراءة معاصرة لفكرة أن المعرفة المطلقة قد تحمل بذور الفقد؟
الصورة أقوى من النص:
لكن على الرغم من هذا، لا يمكن إغفال أن الحبكة بدت –في مواضع عدة– سطحية أو غير مشبعة؛ قد يعود ذلك إلى اختزال بعض المشاهد أو تسريع الإيقاع، أو ربما هو أثر المعالجة الرقمية التي قد تُفرط في التركيب الزمني دون تعميق نفسي كافٍ.
ولعلي لا أُنفي احتمال أن يكون هذا الانطباع شخصيًا؛ فالعرض يدفع المشاهد للتأمل، وقد تختلف مستويات التأثر بحسب خلفيات الجمهور وتوقعاته.
وعلى المستوى البصريّ كان العرض تجربة آسرة؛ فالإخراج اعتمد على لغة بصرية دقيقة، قائمة على توازن بين الإضاءة والتكوين والحركة، دون إفراط في الزخرفة أو خيانة للمعنى؛ فكانت الإضاءة تُستخدم بوصفها خطابًا مكمّلًا للكلمة، بل وأحيانًا بديلًا عنها؛ الظلال تلعب، والنور يُوجّه الانتباه، كأن الخشبة نفسها تتنفّس.
أما الإضاءة في العرض فكانت مبهرة بحق؛ حيث لعبت دور المخرج الخفي للمشاهد، والضوء لم يكتفِ بالكشف عن الحدث، وإنما رسم الإيقاع النفسي للشخصيات، وأضفى على بعض اللحظات بعدًا أسطوريًّا، خاصة في مشاهد التنبؤ والتحولات الدرامية الكبرى.
تمثيل يتجاوز الكلمة:
من أبرز عناصر القوة في هذا العرض كان أداء الممثلين؛ فحركتهم جاءت محسوبة بإيقاع مدروس، تتكامل مع النسيج البصري وتخدم بناء الشخصيات. ولم تكن هناك حركة عبثية أو انفعالية زائدة؛ ذلك أن كل خطوة وكل التفاتة كانت تمثّل تعبيرًا ضمنيًّا عن الصراع الداخلي، خاصة في شخصية ماكبث التي تجسّدت بحضورٍ متوتر يليق بها.
والبطلة –التي أدّت دور الحبيبة– كانت لافتة في حضورها، فقد امتلكت قدرًا عاليًا من الحس المسرحي؛ إذ قدّمت شخصية مشحونة بالانفعال المكبوت، مُوازنة بين الرقة والقسوة، بما امتلكته من قدرة على التعبير من خلال الإيماءة والنظرة والصمت. فكانت صادقة، ومتمكنة من أدواتها، وتضبط انفعالاتها دون أن تفقد التوهج.
أما غريم ماكبث –الذي شارك في أول أيام العرض- فقد كان مثالًا لحضور فطري، يجمع بين القوة والضعف، وبين التهديد والإنسانية، وهو توازن صعب في مسرحية كهذه، فقدّم دورًا طغت عليه الكاريزما والقدرة على تجسيد الصراع الأخلاقي والإنساني.
حين يتحوّل المسرح إلى مرآة للزمن:
هذا العرض –رغم كل حداثته البصرية وتقنياته المتقدمة– ظل وفيًّا لجوهر المسرح؛ مساءلة الإنسان، وتفكيك السلطة، واستدعاء السؤال الأخلاقي الأزلي: ما الثمن الذي ندفعه حين نُخطئ الطريق، ونُصغي لوعود لا نعرف مصدرها؟
لكن الفارق هنا أن "القدر" جاء من شفرة برنامج، أي من ذكاء ليس بشريًّا، وهذا في حد ذاته دعوة لتأمل علاقة الإنسان بالآلة، وهل سيأتي اليوم الذي تُدير فيه الآلة مسرح الوجود بأكمله؟
سينوغرافيا كاشفة:
السينوغرافيا التي صاغها العرض كانت من أقوى عناصره، حتى أنها استحقت الجائزة الدولية عن جدارة؛ استخدم المخرج كراتين التعبئة، وسرير زوجة ماكبث، والمكتب الذي يتحول فجأة إلى علبة تخرج منها الشخصيات، لتجسيد عالَم مغلق يبتلع أبطاله. هذا الاقتصاد في العناصر المادية شكّل ثراءً رمزيًّا، يحيلنا إلى عبثية الروتين الصناعي وضيق الأفق في عالمٍ تحكمه الآلة.
الموسيقى: بين إديث بياف وماكبث:
الموسيقى التي وضعها إيهاب عبد الرحمن جاءت متقنة، كذلك حملت خيارًا جريئًا في لحظة فارقة؛ فإدراج أغنية "لا ندم" (Non, je ne regrette rien) للمطربة الفرنسية إديث بياف، قبيل مشهد قتل غريم ماكبث في إدارة المصنع، وفي سياق انهيار زوجة ماكبث وتعاستها، خلق توازيًا مثيرًا بين القوة الظاهرة والانكسار الداخلي.
كما تميز المشهد الذي يؤنّب فيه ماكبث ابن عمّه –الذي صار عاملًا على السير– بشحنة شعورية كثيفة، حيث التصاعد الموسيقي يعمّق الإحساس بالقسوة والخذلان.
بين التقنية والإنسان:
العرض يترك المشاهد أمام سؤال مفتوح: إذا كانت "الساحرات" في زمن شكسبير يرمزن إلى القوى الغيبية التي تتحكم بالمصائر، فهل تحلّ محلّهن اليوم الخوارزميات، وتصبح التكنولوجيا هي التي تصنع قراراتنا، وتحدد نهاياتنا، وربما تقتل براءتنا؟
هنا يتصل العرض بما يمكن تسميته "السؤال الإنساني الأزلي": إلى أي مدى نحن أحرار في قراراتنا، وإلى أي مدى نخضع لقوى أكبر منا؟ كان القدر في الماضي يُتصوَّر على هيئة آلهة أو نبوءات، أما اليوم فقد يأتي في صورة نظام ذكي، أو خوارزمية، أو سلطة اقتصادية وسياسية تحاصر الفرد.
وتمامًا كما فعل "ماكبث" حين انصاع لنبوءة الساحرات، يجد إنسان العصر نفسه أمام معضلة مشابهة؛ إذا عرفت مصيرك مسبقًا، فهل ستسعى لتغييره أم ستسير نحوه بخطى أسرع، وكأنك تؤكد وقوعه؟
ومن هذا الأفق المفتوح على الأسئلة، لا يتوقف أثر العرض عند حدوده البصرية أو الدرامية، بل يمتد ليعيد تشكيل علاقة المتلقي بالمسرح ذاته، ويطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة التلقي في عصر تتداخل فيه حدود الإنسان والتكنولوجيا.
المتلقي في مواجهة الآلة
وإذا كان هذا العرض قد نجح في إعادة طرح "ماكبث" ضمن سياق تقني معاصر، فإنه يفتح كذلك أفقًا أوسع للتفكير في طبيعة التلقي المسرحي ذاته، وكيف تغيّرت علاقة الجمهور بالعرض في ظل هذا التشابك بين الإنسان والآلةإ إذ تحوّل المشاهد إلى مشاركٍ ضمنيٍّ في تفكيك طبقاتها، محاولًا فهم هذا التوازي بين الماضي الشكسبيري والحاضر الرقمي. هذا التحول في موقع المتلقي يعكس بدوره تحوّلًا أعمق في وظيفة المسرح، الذي صار مساحة للتفكير النقدي، ومختبرًا حيًّا للأسئلة الفلسفية التي تفرضها تحولات العصر.
كما أن هذا التوظيف الواعي للتكنولوجيا يحمل في طياته قدرًا من القلق المشروع؛ قلق من فقدان السيطرة، ومن تلاشي الحدود بين ما هو إنساني وما هو مصطنع؛ فالآلة هنا تظهر كقوة فاعلة تُعيد تشكيل الوعي، وتعيد صياغة القرارات، وربما تُعيد تعريف الأخلاق نفسها.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة العرض بوصفه تحذيرًا مبطنًا، أو على الأقل دعوة للتأمل، في عالم يتسارع فيه الاعتماد على الأنظمة الذكية دون مساءلة كافية لحدودها وتأثيراتها. كذلك يلفت الانتباه أن العرض، رغم اعتماده على عناصر بصرية وتقنية مكثفة، لم يفقد حساسيته الإنسانية، وإنما ظل محتفظًا بنبض داخلي يجعل من الشخصيات كائنات مأزومة وليست مجرد رموز أو أدوات داخل منظومة باردة.
هذا التوازن بين البعد الإنساني والطرح التقني هو ما منح العمل عمقه الحقيقي، وجعله يتجاوز خطر الوقوع في الاستعراض الشكلي. ومن زاوية أخرى يمكن القول إن العرض يطرح أيضًا سؤالًا حول مستقبل الكتابة المسرحية نفسها: هل سيأتي وقت يصبح فيه الذكاء الاصطناعي شريكًا دائمًا في صياغة النصوص؟ وإذا حدث ذلك، فكيف سيتغير مفهوم الإبداع؟ وهل ستظل هناك مساحة للحدس الإنساني، أم أننا سنشهد نوعًا جديدًا من الكتابة الهجينة التي تمزج بين الحس البشري والمنطق الخوارزمي؟
هذه الأسئلة لا يقدم العرض إجابات حاسمة عنها، لكنه يزرعها بذكاء في ذهن المتلقي، ويتركها مفتوحة للتأويل. وربما تكمن قوة التجربة في هذا تحديدًا: أنها لا تدّعي امتلاك الحقيقة، لكنّها تكتفي بإثارة القلق الجميل الذي يدفعنا للتفكير.
وفي النهاية يمكن اعتبار هذا العرض علامة على لحظة انتقالية في المسرح المصري، لحظة تتقاطع فيها التقاليد مع التجريب، ويتجاور فيها التراث مع المستقبل، في محاولة لصياغة لغة مسرحيّة جديدة قادرة على التعبير عن تعقيدات الإنسان المعاصر، دون أن تفقد جذورها أو تنفصل عن أسئلتها الأولى.
تجربة تستحق التكرار:
"ماكبث" محمود الحسيني تجاوز كونه إعادة إنتاج لنص كلاسيكي، فتحول إلى طرح للسؤال الإنساني الأزلي الذي يدور حول الوجود البشري منذ زمن، ويظهر في الأدب والفن والفلسفة بأشكال مختلفة بصيغة معاصرة. عملٌ جمع بين الجرأة التقنية، والجماليات البصرية، والرمزية العميقة، ليؤكد أن المسرح ما زال قادرًا على التجريب الحقيقي دون أن يفقد روحه.
فلا يمكن إلا أن أُعبّر عن امتناني لوجود عرض بهذه الجرأة وهذه الجودة في مدينة مثل بورسعيد. تجربة فنية تستغل إمكانات المسرح بوصفه فنًّا قادرًا على التجريب والتجديد، قادرًا على أن يتجاوز نفسه، ويعيد إنتاج كلاسيكياته بروح معاصرة لا تمحو الأصل وإنما تضيف إليه، في إشارة واضحة إلى أن مركزية القاهرة ليست قدرًا محتومًا، وأن الفن قادر على أن يعيش ويزدهر أينما وُجد الشغف.