في كل مرحلة، يتكرر ذات المشهد بذات التفاصيل تقريبًا. خطاب رسمي يفيض بالطمأنينة، يؤكد أن الدولة تسير في الاتجاه الصحيح، وأن السياسات الاقتصادية مدروسة، وأن المؤسسات بما فيها المستقلة ضرورة ملحة ووُجدت لتعزيز التنمية وتحسين مستوى المعيشة. وفي المقابل، يُطلب من المواطن أن يتحمّل، أن يتقشف، وأن يتفهم صعوبة المرحلة، بوصفها ظرفًا عابرًا تفرضه التحديات.
هذا الخطاب، الذي يبدو ثابتًا في مضمونه، لا يلبث أن يتغير جذريًا عند أول تحوّل في المواقع ، فبمجرد أن يغادر المسؤول موقعه، تتبدل اللغة، وتتغير النبرة، ويصبح ما كان يُقدَّم بالأمس على أنه إنجاز، محل نقد وتشكيك. يتحول المدافع إلى معارض، ويُعاد توصيف السياسات ذاتها التي كان يتبناها أو يبررها.
ليست المشكلة في النقد بحد ذاته، فالنقد ضرورة لأي بيئة سياسية صحية، بل في التناقض الحاد بين مرحلتين يفترض أنهما تعكسان قناعات متماسكة. هنا يبرز السؤال الجوهري: هل كانت المواقف السابقة نابعة من إيمان حقيقي بالسياسات، أم أنها كانت امتدادًا لالتزامات المنصب؟ وهل ما يُقال بعد الخروج يمثل مراجعة صادقة، أم مجرد تموضع جديد في دورة سياسية قائمة على إعادة التدوير؟
هذه الازدواجية لا تمر دون كلفة. فهي تضعف ثقة المواطن، وتخلق فجوة بين الخطاب والواقع، وتُفرغ مفاهيم مثل "الولاء” و”المصلحة العامة” من معناها حين تُستخدم لتبرير مواقف متناقضة. ومع تراكم هذه المشاهد، يصبح الشك هو القاعدة، وتفقد اللغة الرسمية قدرتها على الإقناع.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في تبدل المواقع، بل في ثبات الموقف. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الأزمات، بل بقدرتها على الحفاظ على مصداقية خطابها. وعندما يصبح الكرسي هو العامل الحاسم في تشكيل الرأي، فإن المشكلة لا تعود في الأشخاص وحدهم، بل في ثقافة سياسية تحتاج إلى مراجعة عميقة، تعيد الاعتبار للاتساق، وتجعل من المسؤولية التزامًا لا يتغير بتغير الموقع.