لم تعد قضية الإدارة المحلية في إربد مجرد نقاش إداري عابر، بل أصبحت سؤالاً تنموياً وسياسياً يرتبط مباشرة بمستوى الخدمات، وقدرة المؤسسات المحلية على اتخاذ القرار بعيداً عن ضغوط الحسابات الانتخابية وتعقيدات البنية الاجتماعية والعشائرية التي تفرض نفسها على المشهد البلدي.
فالمتابع لأداء بلدية إربد الكبرى خلال السنوات الماضية، وما رافقه من تباين في مستوى الإنجاز والخدمات، يلحظ بوضوح أن فترة إدارة اللجنة المعيّنة الحالية استطاعت، رغم التحديات المالية والإدارية، تحقيق حضور أكثر فاعلية في ملف الخدمات وتنفيذ المشاريع، مقارنة بمراحل سابقة خضعت بالكامل لاعتبارات الانتخابات وموازينها المعقدة.
هذه المقارنة لا تستهدف التقليل من أهمية الخيار الديمقراطي أو الانتخاب، بقدر ما تفتح الباب أمام مراجعة واقعية لطبيعة المدن الكبرى واحتياجاتها الإدارية. فمدينة بحجم إربد، بثقلها السكاني واتساعها الجغرافي وتشابكاتها الاجتماعية، تحتاج إلى نموذج إداري قادر على اتخاذ القرار وفق أولويات التنمية والكفاءة، لا وفق إيقاع الضغوط الانتخابية أو حسابات إرضاء القواعد الشعبية والعشائرية.
ومن هنا، تبدو فكرة التحول نحو نموذج "الأمانة” أكثر إلحاحاً وواقعية، على غرار أمانة عمّان الكبرى التي استطاعت، عبر هيكل إداري مختلف، تحقيق قدر أعلى من الاستقرار المؤسسي واستمرارية التخطيط والتنفيذ. كما أن استحداث مجالس أمانة في كل من إربد والزرقاء ينسجم مع روح التحديث الإداري والسياسي الذي دعت إليه اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، والتي أكدت في جوهر مخرجاتها أهمية تطوير الإدارة المحلية وتعزيز كفاءتها.
إن أي رئيس بلدية منتخب، مهما امتلك من رؤية وقدرة، يبقى أسير معادلات انتخابية معقدة وضغوط اجتماعية متشابكة، وهو ما ينعكس غالباً على أولويات القرار البلدي ومسار التنمية. أما نموذج الأمانة، فيمنح الإدارة مساحة أوسع للعمل المهني والمؤسسي، ويضع معيار الإنجاز فوق أي اعتبار آخر.
وفي هذا السياق، يبرز دور وزارة الإدارة المحلية التي تقود اليوم مساراً مختلفاً في إعادة تعريف دور البلديات ووظيفتها. فوزير الإدارة المحلية، بما يمتلكه من خبرة متراكمة ومعرفة عميقة بتفاصيل العمل البلدي، بحكم نشأته وعمله الطويل في هذا القطاع، يدرك أن البلدية لم تعد مجرد جهة خدمية مهمتها إنشاء مطب هنا أو صيانة وحدة إنارة هناك، بل مؤسسة تنموية يفترض أن تقود الاستثمار المحلي، وتشارك في صناعة التنمية وتحسين جودة الحياة.
ومن هذا المنطلق، تتجه الوزارة نحو تطوير التشريعات الناظمة للعمل البلدي، بهدف نقل البلديات من حالة الاستنزاف الخدمي اليومي إلى مفهوم الديمومة التنموية والاستدامة المالية والإدارية، بما يتيح لها التحول إلى مؤسسات قادرة على التخطيط والإنتاج والشراكة، لا مجرد جهات تستهلك مواردها في تلبية الاحتياجات الآنية فقط.
إربد اليوم لا تحتاج فقط إلى تغيير في الأشخاص، بل إلى مراجعة جادة لشكل الإدارة المحلية نفسها؛ إدارة تمتلك القدرة على التخطيط طويل الأمد، وتستطيع اتخاذ القرار بعيداً عن التجاذبات، بما يليق بمدينة تُعد العاصمة الاقتصادية والثقافية للشمال الأردني.