بقلم :أ.د عيسى الشلبي آل خطاب جامعة الحسين بن طلال
يحيي الأردنيون في هذه الأيام الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، وهي مناسبة وطنية ذات أبعاد تاريخية وسياسية عميقة، تشكل محطة مفصلية في مسار بناء الدولة الأردنية الحديثة وتطورها ضمن سياقات إقليمية ودولية معقدة.
تعود جذور الاستقلال إلى لحظة إعلان استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، حين تم إنهاء الانتداب البريطاني على إمارة شرق الأردن، وإعلان قيام المملكة بقيادة الملك عبد الله الأول بن الحسين، الذي وضع اللبنات الأولى للدولة الحديثة، مستنداً إلى شرعية تاريخية وسياسية نابعة من الثورة العربية الكبرى ومشروعها القومي.
من منظور أكاديمي سياسي، يمثل الاستقلال الأردني نموذجاً لتشكّل الدولة في بيئة جيوسياسية مضطربة، حيث تداخلت العوامل الداخلية—كالبنية القبلية والاجتماعية—مع العوامل الخارجية المرتبطة بإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية. وقد نجح الأردن في بناء مؤسسات سياسية تدريجية، قائمة على التوازن بين الشرعية التقليدية والشرعية الدستورية.
على مدى ثمانية عقود، استطاعت الدولة الأردنية أن تطور نموذجاً سياسياً يتسم بالمرونة والاستمرارية، رغم التحديات الإقليمية الكبرى، مثل القضية الفلسطينية، والحروب العربية الإسرائيلية، وأزمات اللجوء المتعاقبة. وقد برز دور القيادة الهاشمية، وصولاً إلى عهد الملك عبد الله الثاني بن الحسين، في تعزيز الاستقرار الداخلي، وتبني سياسات إصلاحية تدريجية، مع الحفاظ على موقع الأردن كفاعل إقليمي معتدل.
كما يُنظر إلى الأردن في الأدبيات السياسية كـ"دولة وسيطة" (Middle Power) تلعب أدواراً دبلوماسية مهمة، خصوصاً في ملفات السلام، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز الحوار بين الثقافات. وقد ساهمت سياسته الخارجية المتوازنة في ترسيخ مكانته الدولية، رغم محدودية موارده الطبيعية.
اقتصادياً، واجه الأردن تحديات هيكلية تتعلق بندرة الموارد والاعتماد على المساعدات الخارجية، إلا أنه سعى إلى تطوير اقتصاد خدماتي متنوع، مع التركيز على التعليم ورأس المال البشري كركيزة أساسية للتنمية.
إن الذكرى الثمانين للاستقلال ليست مجرد احتفال رمزي، بل هي مناسبة لإعادة تقييم مسار الدولة الأردنية، واستشراف مستقبلها في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. وتبقى معادلة الاستقرار السياسي والإصلاح التدريجي، إلى جانب تعزيز المشاركة السياسية والتنمية الاقتصادية، من أبرز التحديات والفرص التي تواجه الأردن في مئويته الثانية.
وفي المحصلة، يشكل الاستقلال الأردني تجربة سياسية تستحق الدراسة، كنموذج لدولة استطاعت الحفاظ على تماسكها واستقرارها، في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم تقلباً، وهو ما يمنح هذه الذكرى بعداً يتجاوز الإطار الوطني ليصل إلى المستوى الإقليمي والدولي