قال بعض الحكماء: ليس العقل أن يخرج المرء من كل مأزق، وإنما العقل ألّا يضع نفسه في موضعٍ يحتاج فيه إلى النجاة. ولذلك كان الواثق يربح أكثر معاركه قبل أن يدخلها، لأنه يبصر العواقب قبل البدايات، ولا يستهويه الخوض في كل خصومة ولجة وأن غدت منفعة. وقد قيل:
«وليس عليك الخوضُ في كلِّ لُجّةٍ
إذا كنتَ في شبرٍ من الماء تغرقُ».
ومن استقرّت قيمته في نفسه، استغنى عن طلبها من الناس؛ فلا يكثر الضجيج حول عمله، لأن الثمر إذا نضج أغنى عن المناداة عليه. وكثيرٌ ممن أكثروا الحديث عن مقاصدهم انقطعت بهم السبل قبل بلوغها، وما أُعين أحدٌ على إحكام أمره بمثل الكتمان. والواثق لا يشغله أن يُعرف، والداهية لا يحرص على إظهار دهائه، لأن الناس إذا عرفوا عنه سداد الرأي، وخطورة الحيلة، وحسن التقدير، تعمّدوا اتقاءه ومهادنته، فصار صمته أوقع من كلام غيره.
وغوغاء العوام لا ينظرون إلى الرأي بميزان الحكمة، وإنما بميزان الهوى؛ يسمعون ليعارضوا، ويتكلمون ليستعرضوا، ويحسبون الحماسة عقلًا، والضجيج فطنة، وليس القول كالفعل، ولا الصخب دليل رجاحة. وربّ رجلٍ أبغضوا رأيه لا لفساده، وإنما لأن في صوابه تفوقًا يجرح نفوسهم، فإن النفوس الضيقة ترى في سداد الرأي تعاليًا عليها، وتخاصم الرجال بأشخاصهم لا بآرائهم.
وقد قيل لبني عبس: ما أكثر صوابكم؟ فقالوا: كنا ألف رجل وفينا رجل حازم سديد الرأي نتبع رأيه، فكنا ألف حازم. وإنما تسود الجماعات إذا عرفت لأهل البصيرة قدرهم، لا إذا جعلت الحسد قائدًا، والهوى حاكمًا. ولأجل هذا قيل: «كاذب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر»، لأن العصبية إذا استحكمت أفسدت العقول، حتى يصير الحق مبغوضًا إذا جاء من خصم، والخطأ محبوبًا إذا جاء من صاحب.
ولهذا كان الرجل السديد الرأي يلقى قبولًا عند أهل الحكمة، ويثير الضيق في صدور أهل الأهواء؛ لأن العاقل ينظر إلى القول، وصاحب العصبية ينظر إلى القائل، وبين النظرين بونٌ بعيد. وليس الذكاء بكثرة الجدل، وإنما أن تعرف مواضع الإقدام والإحجام، وأن تملك نفسك عند مخالطة الانام ؛ فالعاقل قد يتعمّد البساطة، لأن الجاهل يتكلّف صورة الذكاء، أما صاحب العقل الراسخ فلا يحتاج إلى استعراضه.