حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
إربد – نيروز - محمد محسن عبيدات
أكدت نائب رئيس المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا وأستاذة العلوم الحياتية في جامعة اليرموك، الدكتورة حنان عيسى ملكاوي، أن التكنولوجيا الحيوية وتقنيات النانو باتتا تمثلان ركيزة أساسية في بناء مستقبل أكثر استدامة للأراضي الجافة، مشيرة إلى أن هذه التقنيات تفتح آفاقاً واسعة لتعزيز الأمن الغذائي والمائي وتحقيق التنمية المستدامة في ظل التحديات البيئية والمناخية المتزايدة.
وقالت الملكاوي، في دراسة علمية بعنوان "التكنولوجيا الحيوية والنانو في الأراضي الجافة: تقنيات واعدة للأمن الغذائي والتنمية المستدامة"، إن الأراضي الجافة لم تعد تُنظر إليها باعتبارها مناطق هامشية أو محدودة الإنتاج، بل أصبحت وفق المفاهيم العلمية الحديثة أنظمة بيئية حيوية تمتلك إمكانات كبيرة يمكن توظيفها في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية إذا ما أُديرت وفق أسس علمية حديثة قائمة على الابتكار والتكنولوجيا.
وأضافت أن الأردن يُعد نموذجاً واضحاً لأهمية هذا التوجه، حيث تشكل الأراضي الجافة وشبه الجافة نحو 70 بالمئة من مساحته، في وقت يواجه فيه تحديات مائية كبيرة تجعله من أكثر دول العالم فقراً بالمياه، الأمر الذي يستدعي تبني حلول مبتكرة في إدارة الموارد الطبيعية وتعزيز كفاءة استخدامها.
وأوضحت أن الرؤية المستقبلية لتنمية الأراضي الجافة تعتمد على منظومة متكاملة تشمل الزراعة الذكية مناخياً، والزراعة المائية والهوائية، والبيوت الزراعية الذكية منخفضة الاستهلاك للمياه، إلى جانب تطوير أنظمة الري الحديثة، وحصاد مياه الأمطار والسيول، وإعادة استخدام المياه المعالجة، فضلاً عن توظيف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في تشغيل الأنظمة الزراعية وتحلية المياه.
وبيّنت الملكاوي أن التكنولوجيا الحيوية أصبحت من أبرز الأدوات العلمية القادرة على إحداث تحول جذري في الزراعة بالمناطق الجافة، من خلال تطوير أصناف نباتية قادرة على تحمل الجفاف والملوحة وارتفاع درجات الحرارة باستخدام تقنيات التحرير الجيني الحديثة، إضافة إلى الاستفادة من زراعة الأنسجة النباتية لإنتاج شتلات محسنة تدعم برامج التشجير واستصلاح الأراضي وإعادة تأهيل النظم البيئية.
وأشارت إلى الدور المتنامي للميكروبات النافعة والأسمدة والمحفزات الحيوية في رفع خصوبة التربة وزيادة كفاءة استخدام المياه والعناصر الغذائية، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية التقليدية وتحقيق أهداف الزراعة المستدامة.
وفيما يتعلق بتقنيات النانو، أوضحت الملكاوي أنها تمثل ثورة حقيقية في إدارة الموارد الزراعية والمائية، حيث تتيح إنتاج أسمدة ومبيدات ذكية عالية الكفاءة، فضلاً عن تطوير حساسات دقيقة لمراقبة رطوبة التربة والملوحة والحالة الصحية للنبات بشكل لحظي، كما تسهم الأغشية النانوية في رفع كفاءة تحلية المياه ومعالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها.
وأضافت أن التكامل بين التكنولوجيا الحيوية وتقنيات النانو فيما يعرف بمجال "النانو–حيوية" يشكل أحد أكثر المجالات الواعدة مستقبلاً، إذ يسهم في تطوير مواد متقدمة لتحسين خصائص التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه وتقليل التبخر، ما يعزز استدامة الإنتاج الزراعي في البيئات الجافة، خاصة عند دمجها مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وأنظمة الزراعة العمودية والبيوت الذكية.
وأكدت الملكاوي أن الأراضي الجافة تمتلك مزايا تنافسية مهمة تتمثل في وفرة الإشعاع الشمسي واتساع المساحات غير المستغلة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، ما يجعلها بيئة مناسبة لدمج الزراعة مع مشاريع الطاقة المتجددة وإنتاج الهيدروجين الأخضر وتحلية المياه بالطاقة الشمسية ضمن إطار الاقتصاد الأخضر والدائري.
ولفتت إلى أن الاستثمار العلمي المدروس في هذه المناطق سيحقق العديد من المكاسب الوطنية، أبرزها تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وخلق فرص عمل نوعية للشباب، وتمكين المجتمعات المحلية، وزيادة الاستثمارات، وتحفيز الصناعات الزراعية والغذائية، وتحسين جودة البيئة والقدرة على مواجهة آثار التغير المناخي.
ودعت الملكاوي إلى إعداد خارطة طريق وطنية لتنمية الأراضي الجافة حتى عام 2035، تتضمن إنشاء "وادي التكنولوجيا الحيوية والنانو للبيئات الجافة" كمركز وطني وإقليمي للابتكار، يربط بين الجامعات ومراكز البحث العلمي والقطاع الخاص وحاضنات الأعمال، بهدف تحويل المخرجات العلمية إلى تطبيقات عملية تسهم في دعم التنمية المستدامة.
وأكدت في ختام دراستها أن مستقبل الأراضي الجافة لا يرتبط بندرة الموارد بقدر ما يرتبط بقدرة المجتمعات على الاستثمار في المعرفة والابتكار، مشددة على أن الأردن يمتلك المقومات التي تؤهله ليكون مركزاً إقليمياً رائداً في توظيف التكنولوجيا الحيوية وتقنيات النانو لخدمة الأمن الغذائي والمائي والتنمية المستدامة.
الدكتورة حنان عيسى ملكاوي أستاذة في قسم العلوم الحياتية بجامعة اليرموك، وتعد من الأكاديميين والباحثين البارزين في مجالات العلوم الحياتية والتكنولوجيا الحيوية والتنمية المستدامة. تشغل منصب نائب رئيس المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا، وأسهمت من خلال أبحاثها ومشاركاتها العلمية في دعم قضايا الابتكار العلمي والبحث التطبيقي وتوظيف التكنولوجيا الحديثة لخدمة التنمية. كما شاركت في العديد من المؤتمرات والمنتديات العلمية العربية والدولية، ولها إسهامات بحثية وفكرية في مجالات الأمن الغذائي والموارد الطبيعية والاقتصاد المعرفي والتنمية المستدامة.