لم تعد شوارعنا مجرد ممرات آمنة للتنقل ، بل تحولت في الآونة الأخيرة بفعل
فئة مستهترة إلى ساحات استعراضية مفتوحة تُزهق فيها الأرواح وتُروّع
العائلات تحت مسمى ( التفحيط ) .
هذا السلوك ، الذي يظنه بعض الشباب نوعاً من المهارة أو ( البطولة الزائفة )
على منصات التواصل الاجتماعي ، ليس في حقيقته إلا عبثا ً صارخاً بالسلم المجتمعي ، واعتداءً متعمداً على حق الآخرين الدستوري في الحياة والأمان .
إن المعضلة الحقيقية التي تواجه جهود الدولة والأجهزة الأمنية في كبح جماح
هذه الظاهرة لا تكمن في ضعف المتابعة الميدانية ، فرجال الأمن العام يواصلون الليل بالنهار لضبط هؤلاء المخالفين المستهترين بارواح ابناء المجتمع .
بل تكمن المشكلة الحقيقيه في ( التكييف القانوني والوصف الجرمي ) للفعل ذاته
في المنظومة التشريعية ، فطالما أن القانون الحالي يُصنف القيادة الاستعراضية
كـ ( مخالفة سير) أو جنحة بسيطة تابعة لقانون السير ، فإن النتيجة الحتمية هي
تقييد يد القضاء والنيابة العامة عن التوقيف القضائي الفوري الوجوبي
(الذي يسبق المحاكمة ) .
هذا التكييف يمنح المخالفين ميزة استبدال عقوبات الحبس القصيرة بغرامات مالية تدفعها عائلاتهم ، ليخرج السائق في اليوم التالي ممارساً ذات العبث ، مستعيناً بكفالات إدارية ورقية تحولت مع الوقت إلى مجرد إجراء روتيني لا يحقق الردع النفسي أو القانوني المطلوب .
وهنا يجب التوضيح والتأكيد على أن التعديلات التشريعية الجريئة لعام 2023 في قانون السير كانت خطوة مقدرة وشجاعة من المشرّع الأردني لتشديد العقوبات وتوسيع صلاحيات الحجز والتوقيف الإداري بموجب قانون منع الجرائم ، لكن التجربة الميدانية الملموسة أثبتت أن هذه العقوبات الجنحية المرورية أو التدابير الإدارية
لم تعد كافية وحدها لردع هذه الفئة واجتثاث السلوك .
إن الحل الجذري والنهائي لا يمكن أن يبقى محصوراً في أروقة المخالفات المرورية ، بل يتطلب نقلاً كاملاً للفعل من قانون السير ليكون جناية تعريض السلامة العامة للخطر في قانون العقوبات .
ومن هذا المنطلق ، ولتجاوز هذه الثغرة الإجرائية وإتمام البناء التشريعي
فإنني أتقدم من خلال هذا المقال بمقترح تشريعي محدد وموجه إلى الحكومة ومجلس الأمة ، يقضي بنقل الفعل كلياً إلى قانون العقوبات الأردني وذلك عبر استحداث مادة قانونية جديدة تعمل على تغليظ عقوبة هذا الفعل وتجرمه وفق النص المقترح التالي :
يُعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تقل عن ثلاث سنوات كل من قام بقيادة مركبة على الطرق العامة بصورة استعراضية ( التفحيط ) أو تجمهر بقصد تنظيم سباقات غير مشروعة تهدد سلامة مستخدمي الطريق .
وتكون العقوبة الأشغال الشاقة مدة لا تقل عن عشر سنوات إذا نتج عن الفعل وفاة إنسان أو إحداث عاهة دائمة ، مع اعتبار هذا الجرم من الجرائم الوجوبية التوقيف التي لا يجوز فيها استبدال عقوبة الحبس بغرامة مالية ولا تشملها الأسباب المخففة التقديرية .
إن هذا التعديل المقترح لن يكتفي بتحقيق الردع العام عبر التوقيف القضائي الفوري ، بل يجب أن يتكامل مع حزمة من العقوبات التبعية الذكية الذاتية التي تضمن محاصرة السلوك من كافة جوانبه وأقترح تطبيقها بموجب إدانة المحكمة
في حال التكرار.
المصادرة النهائية وسحق المركبة :
عدم الاكتفاء بحجز المركبة لـ 30 يوماً ، بل تصادر المركبة نهائياً لصالح خزينة الدولة ويتم سحقها علناً لإلغاء قيمة ( التباهي ) .
سحب الرخص الممتد أو الشطب النهائي حرمان السائق من أصل الحق في القيادة بإلغاء رخصته لمدة لا تقل عن سنتين في المرة الأولى ، وشطبها نهائياً مع حظر
التقدم للحصول عليها مجدداً في حال التكرار.
الخدمة المجتمعية الإلزامية إلزام المخالف بقضاء ساعات عمل غير مدفوعة في أقسام الطوارئ بالمستشفيات لمساعدة ضحايا حوادث الطرق ، ليرى الآثار الكارثية للسرعة والتهور رأي العين .
تسجيل المخالفة كـ قيد أمني وجنائي إدراج الفعل في شهادة عدم المحكومية
لملاحقة الشاب في مستقبله المهني ويمنعه من الوظائف الحساسة ، مما يمثل
رادعاً مستقبلياً حاسماً .
ولنا في تاريخنا التشريعي الأردني ( سوابق حاسمة وناجحة ) أثبت فيها المشرّع قدرته الفائقة على الاستجابة لنبض الشارع وحماية السلم الأهلي عبر تغليظ الوصف الجرمي ، ومن أبرزها :
سابقة إطلاق العيارات النارية في المناسبات :
حيث كان هذا الفعل يُصنف تاريخياً كـ "مخالفة مقلقة للراحة العامة عقوبتها
غرامة زهيدة ، لكن مع تفاقم الظاهرة وسقوط ضحايا ، تدخل المشرّع بصلابة وحول الفعل إلى جنحة غليظة وجناية تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن عشر سنوات إذا أدت لوفاة إنسان ،
والتي كانت تُكيف سابقاً تحت بند الجنح البسيطة كـ ( التهديد أو المشاجرة ) وتنتهي غالباً بالتصالح .
وبموجب التعديلات اللاحقة ، استحدث المشرّع المواد القانونيه التي جرمت البلطجة وترويع الآمنين ، وحولتها إلى جناية تصل عقوبتها إلى الأشغال المؤقتة لمدة 5 سنوات ( وتُغلظ لـ 15 سنة في حالات خاصة ) .
مما مكّن الأجهزة الأمنية والقضائية من اجتثاث هذه الفئة من الشوارع فوراً عبر توقيف قضائي صارم .
إن وجه الشبه بين تلك الظواهر و( التفحيط ) متطابق تماماً ، فجميعها أفعال تبدأ بدافع الاستعراض أو فرض السطوة ، وتنتهي بإزهاق أرواح الأبرياء وترويع الآمنين .
وكما كان الرصاص الطائش خطراً يهدد البيوت ، فإن المركبة المستعرضة هي رصاصة طائشة تسير على أربع عجلات في شوارعنا .
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب اليوم جبهة متكاملة تشترك فيها وسائل الإعلام المهنية مع منصات التواصل الاجتماعي لسحب الغطاء الاجتماعي عن هؤلاء المستهترين وتبشيع فعلهم رقمياً .
الأرواح ليست مادة للاستعراض ، وحق مجتمعنا وأطفالنا في شوارع آمنة هو خط أحمر لا يقبل المحاباة أو التأجيل واعتقد ان الوقت قد حان ليكون القانون