بحكم طبيعة عملهم، يطّلع المحامي ورجل الأمن والقاضي على كثير من أسرار الناس وقضاياهم، وهي أمانة تفرض عليهم حفظها وصونها. ومن خلال تجربة امتدت قرابة عشرين عامًا في جهاز الأمن، تلتها اثنا عشر عامًا في مهنة المحاماة، كان لي أن أشاهد عن قرب نماذج متعددة من القضايا الإنسانية والاجتماعية والجنائية.
ورغم خطورة الجرائم بمختلف أشكالها، فإن أكثر ما يبعث على القلق هو تنامي مظاهر عقوق الوالدين، لما يتركه من آثار قاسية على الأسرة والمجتمع، ولما يحمله من جحود لتضحياتٍ استمرت سنوات طويلة.
فالأب والأم يكرسان أعمارهم في التربية والرعاية، ويقدمان كل ما يستطيعان لتأمين حياة كريمة لأبنائهما، ويحرصان على حمايتهم من الانحراف والوقوع في الخطأ. لكن حين يتورط أحد الأبناء في قضية قانونية، يكون الوالدان أول من يتحمل تبعاتها، نفسيًا واجتماعيًا وماديًا.
وليس من النادر أن ترى أبًا أو أمًا في أروقة المحاكم يتابعان قضية ابنهما بقلق وألم، ويسعيان بكل ما يملكان لتوفير الكفالة أو توكيل محامٍ أو البحث عن أي مخرج قانوني يخفف عنه. إنها مشاهد تختصر حجم المعاناة التي يعيشها الوالدان عندما يريان ثمرة عمرهما تواجه مصيرًا مجهولًا.
والمؤلم أكثر أن بعض الأبناء، بعد تجاوز أزماتهم، يعودون إلى السلوك ذاته، وكأن ما قدمه الوالدان من تضحية ووقوف إلى جانبهم لم يكن له أي قيمة، فيستمر الجفاء وتتجدد المعاناة.
إن برّ الوالدين ليس واجبًا دينيًا وأخلاقيًا فحسب، بل هو أساس لاستقرار الأسرة وتماسك المجتمع، وعنوان لسمو الأخلاق ورد الجميل لمن أفنيا أعمارهم في العطاء.
رسالتي إلى كل ابن وابنة: اغتنموا وجود والديكم، وأحسنوا إليهما قولًا وفعلًا، فالكلمة الطيبة، والاحترام، والوفاء، والدعاء لهم، كلها صور من البر الذي تعود ثماره على الإنسان في دنياه وآخرته. فالوالدان نعمة لا تُقدّر بثمن، ومن عرف قيمتهما قبل فوات الأوان كان من الفائزين.