أطلق "ستراتيجكس STRATEGIECS Think Tank" ورقة بعنوان "ملامح في المشهد الاقتصادي والسياسي الأردني 2022"، مشيرا إلى المعطيات وآمال يسود فيها اتجاهات نحو حالة جديدة من التعافي والنهوض في الجوانب السياسية والاقتصادية في الأردن.
ووفق الورقة تفرض الحاجة والتحديات القائمة غالبا، نظرة إلى المستقبل. ومع أن النظرة الأبعد محمّلة بالكثير من عناصر قد يشوبها نوع من الغموض وعدم الوضوح، إلا أن هناك من المعطيات والآمال ما يسود فيها اتجاهات نحو حالة جديدة من التعافي والنهوض في الجوانب السياسية والاقتصادية في الأردن. وفي هذا الإطار تأتي أهمية استعراض عدد من الملامح والصعوبات الأردنية التي يحملها ما تبقى من العام 2022 على المستويين؛ الاقتصادي، والسياسي.
وانطلاقا من أنماط سائدة، وتحوّلات محورية، ستحاول هذه الورقة أيضا طرح بعض الافتراضات والتحديات لأبرز ملامح المشهدين في المملكة، على المستوى المحلي والإقليمي، خلال هذا العام. والورقة في ذلك، إذ تستبعد نوعا ما وقوع أحداث صادمة "shocking events"، كتلك التي أحدثتها جائحة "كوفيد-19" في مختلف أرجاء العالم، والتي لا تزال بآثارها ماثلة إلى هذه الساعة، فإنها تبني بعض التقديرات استنادًا إلى ما هو محتمل من تطورات للحالة الوبائية، وما يرتبط بها على الصعيد الاقتصادي خصوصا.
ومع ذلك، فإن الافتراض الذي تمّ تبنّيه هو أن الجائحة في طريقها إلى الانحسار، وأن بداية التعافي التدريجي، الصحي والاقتصادي، هي التي ستسود في العام 2022. إلا أنّ هذا وحده لا يكفي للخروج بالبلاد من الآثار السلبية للجائحة، خصوصا وأن الصعوبات والتحدّيات والمشكلات الاقتصادية سبقت الجائحة بسنوات، وجاءت الجائحة لتزيد في أعبائها.
وأما سياسيا، فتحاول الورقة رسم صورة تقريبية للمشهد السياسي الأردني المتوقَّع في العام 2022، على المستوى المحلي وفي التفاعل مع البيئتين الإقليمية والدولية، بشيء من التمهّل والحذر؛ فما هو إقليمي أو دولي، يتقرّر أساسًا بحكم التفاعلات والأحداث والمواقف في هذين المحورين، وهذا هو العامل المقرّر والحاسم في الموقف الأردني منهما في أغلب الأحيان.
الواقع الاقتصادي: من المعطيات إلى آفاق 2022
يمكن القول إن الاقتصاد الأردني في العام 2022، يأتي وسط مناخ عالمي يتّسم بالتحديات الكبيرة في ظل اضطرابات إقليمية ودولية، إلى جانب التداعيات والصعوبات التي فرضتها جائحة (كوفيد – 19) على مختلف مفاصله، إذ تُظهر بعض المؤشرات الاقتصادية الأردنية الهامة للأعوام الماضية (قبل تأثير كوفيد-19)، تواضع نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، إذ بلغ 2% مقابل الحد الأدنى المطلوب لتوفير فرص العمل، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وهو 5%، ومقابل المرجو تحقيقيه واقعيا (6%-8%).
كما أنّ النمط السائد لمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للفترة منذ العام 2010 حتى العام 2019 (ما قبل الجائحة) يُبيّن أن نسبة النمو تراوحت بين 1.9% و 3.4%، استنادًا إلى بيانات دائرة الإحصاءات العامة لعام 2020. وعلى الرغم من ذلك، حمل العام المنصرم 2021 بطياته مؤشرات إيجابية، إذ بلغ معدل النمو الاقتصادي الحقيقي للمملكة 2.1% خلال الأشهر التسع الأولى بحسب بيانات البنك المركزي الأردني. وفي هذا السياق، ومع تداعيات وثقل ظروف جائحة "كوفيد-19" وآثارها الماثلة -والتي ستبقى فاعلة بدرجة أو بأخرى- في العام 2022، توقعت التقديرات زيادة الناتج المحلي الإجمالي الأردني ليصل إلى نحو 3% في الأعوام (2023-2025).
وفي ضوء ذلك، وبالنظر إلى النتائج التي خلفتها تلك الجائحة على اقتصاديات دول العالم ومن بينها الاقتصاد الأردني، إلا أن عام 2022 سوف يشهد تحسّنًا في رفع مُعدلات النمو الاقتصادي، وزيادة حجم الصادرات، وتحسين الآداء الاقتصادي، الذي يوفّر فرصا أقوى للنمو والتشغيل حسب الخطط التي أعلن عنها البنك المركزي الأردني، وتبرز في هذا المجال أهمية الرهان والبناء على دور القطاع الخاص الذي يُعوّل عليه، بأن يكون رافدًا فاعلًا مع القطاع الحكومي (العام)، في الاتجاه نحو تحفيز وتفعيل الاستثمار المحلي، وجذب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة. ولعل العام الحالي مرشّح ليشهد تطوّرا على هذا الصعيد، وهو تقدير له ما يبرّره في ظل التوجهات الحكومية في خططها الاقتصادية التي أعلنت عنها لتنفيذها هذا العام.
ومن ناحية أخرى، وبالنظر إلى أبرز معالم العام الحالي محلياً -من الواقع إلى التطلّعات المستقبلية-، وفي ظل حزمة من الإجراءات الانفتاحية الحكومية التي تستهدف إعادة الزخم للاقتصاد وتحريك عجلة نموّه، فإنّ أبرز التوجهات الحكومية والمؤسساتية الأردنية خلال هذا العام وفيما تبقى منه، سوف تتركز بما يلي:
في المجال الزراعي: يمكن القول إنّ حال القطاع الزراعي "الصعب" ليس وليد أزمة وباء كورونا فقط، بل ممتدة -وفق مختصين- منذ 10 سنوات ماضية، وقد أضحى القطاع الزراعي عاملا "لهجرة المزارعين والمستثمرين"، ما يُشكّل ذلك خطورة على الأمن الغذائي في ظل تراجع المساحات المزروعة، وتناقص أعداد القلة القلية الصامدة من المزارعين. وفي ظل مواجهة هذه المعضلات ومعالجتها أعلنت وزارة الزراعة الأردنية وبتوجيه ملكي مباشر لرفد هذا القطاع عن الخطة الوطنية الأردنية للزراعة المستدامة 2022-2025، وذلك بهدف تحسين الظروف المعيشية للمزارعين، والعمل على زيادة إنتاجية القطاع الزراعي، وقد تضمّنت هذه الخطة الوطنية 73 مشروعًا طموحًا تُساهم في حلول مشاكل القطاع الزراعي، واستحداث مشاريع جديدة، بتكلفة اجمالية بلغت 379 مليون دينار، فضلًا عن توجّهات حكومية أخرى للاستفادة من طاقات زراعية وصناعية ومن دور قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات خلال هذا العام، وعدم الركون إلى الاقتصاد الخدمي على حساب القطاعات الإنتاجية بشكل حادّ؛ ولقد بيّنت الجائحة خصوصا، أهمية هذا التوجّه.