بيت العطاء والتاريخ: منزل الفاضلة
فايزة الزعبي " أم الرائد" ، أيقونة العمل التطوعي في إربد
خاص- محمد محسن عبيدات
في قلب
مدينة إربد، يقف منزل الفاضلة فايزة الزعبي "أم الرائد" شامخا كشاهد على
مسيرة حافلة بالبذل والعطاء، مستحقا أن يكون واحة للتراث والأصالة ومرآة تعكس مسيرة
امرأة استثنائية، حصدت الأوسمة الملكية والتكريمات بجدارة تقديرا لدورها الرائد في
خدمة المجتمع والعمل التطوعي الإنساني والخيري والثقافي .
ما إن
تعبر البوابة الخشبية العريقة حتى تشعر وكأنك انتقلت إلى زمن من الأصالة والجمال، حيث
يحتضن الفناء الداخلي الساحر زوايا تنطق بسحر الماضي، فتتوزع التحف التراثية والمقتنيات
النادرة بدقة متناهية، بينما تستقر الطاولات الخشبية المحملة بالمناظر الأخاذة، والمقاعد
التراثية التي تدعو للراحة والتأمل. وفي كل ركن، تلمع الأوسمة الملكية والدروع التكريمية
التي تروي قصة نجاح وإنجاز، تحفها اللوحات الفنية القديمة التي تعكس عبق التاريخ وروح
الأصالة. أما المزهريات المليئة بأزهار عابقة بالشذى، فتضفي على المكان لمسة من الرقي
والجمال، فتشعر وكأنك في قصر تراثي ينبض بالحياة، حيث يلتقي الحاضر بالماضي في سيمفونية
ساحرة من الفخر والمجد.
ليس هذا
البيت مجرد مكانٍ للسكن، بل هو تحفة فنية ناطقة، ومتحف للكرم والعطاء، يعكس روحا متفردة
جسدتها فايزة الزعبي عبر سنوات من العطاء المتواصل، لتظل بصمتها محفورة في قلوب من
عرفوها، ولتبقى إربد تفخر بهذه القامة الإنسانية العظيمة.
وعن
سيرة ومسيرة الفاضلة فايزة الزعبي "أم الرائد". فهي قامة وطنية واجتماعية
وتربوية وثقافية بامتياز ، وهي واحدة من أعمدة العمل التطوعي والخيري في محافظة
إربد والمملكة الأردنية الهاشمية. فهي امرأة استثنائية كرست حياتها لخدمة وطنها وأبناء
مجتمعها، حيث امتد عطاؤها لعقود طويلة، تميزت خلالها بالعمل الدؤوب والرؤية
الثاقبة، ما جعلها تحظى بتقدير رسمي وشعبي واسع. بدأت الزعبي مسيرتها المهنية
كمدرسة ثم مديرة في مدارس التربية والتعليم، حيث أمضت ثلاثين عاما في خدمة
التعليم، تاركة أثرا عميقا في نفوس طلابها وزملائها. كانت مثالا للمعلمة القائدة،
تسهم في بناء الأجيال وتوجههم نحو التفوق والإبداع. لم تقتصر جهودها على التعليم
فحسب، بل امتدت لدعم الطلبة المتفوقين والمحتاجين في جميع المراحل الدراسية، بدءا
من المرحلة الأساسية وحتى التعليم الجامعي.
في
مجال العمل الاجتماعي، فكانت من أوائل المؤسسين لمبرة الملك حسين عام 1960، ومنسقة
إربد والقصبة في تجمع لجان المرأة الوطني الأردني. كما شغلت عدة مناصب قيادية،
منها: رئيسة الاتحاد النسائي لمحافظة إربد لعدة دورات. رئيسة جمعية الأسرة
البيضاء. رئيسة ملتقى المرأة للعمل الثقافي. نائب رئيس لجنة القرش الخيري في
محافظة إربد. أمين سر جمعية مبرة الملك حسين الخيرية. عضو الهيئة الإدارية في
جمعية أصدقاء بنك العيون. عضو اللجنة العليا لجمعية بيت الحكمة لرعاية مرضى
السرطان الصحية. عضو جمعية الفنار الخيرية.
كان
لفايزة الزعبي دور فاعل في الحفاظ على البيئة من خلال عضويتها في جمعية البيئة
الأردنية، إلى جانب مساهماتها البارزة في العمل البلدي والخدمي، حيث شغلت عضوية
مجلس بلدية إربد لدورتين متتاليتين، بالإضافة إلى عضويتها في مجلس أعمال إربد. إيمانا
منها بأهمية الثقافة في بناء المجتمعات، كانت الزعبي عضوا بارزا في ملتقى إربد
الثقافي ومنتدى إربد الثقافي، كما شغلت عضوية اللجنة العليا في مؤسسة بحر العلوم
للعلاقات العامة والدولية، إلى جانب عضويتها في مجلس الأمناء في المركز الأردني
للدراسات والإبداعات. ولم تتوقف عند ذلك، بل قدمت الدعم والرعاية للعديد من
الفنانين الأردنيين، إيمانا منها بأن الفن مرآة تعكس حضارة الشعوب وهويتهم.
على
المستوى الدولي، مثلت فايزة الزعبي الأردن في العديد من المؤتمرات الإقليمية
والعالمية، حيث شاركت في مؤتمرات مهمة مثل: مؤتمر الطفل والمدينة بدعوة من أمانة
عمان الكبرى. مؤتمر الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية في لبنان. مؤتمر الخير
في بيروت. مؤتمر المنظمات غير الحكومية في القاهرة. مؤتمر حرب الخليج وأثره على
البيئة العراقية في بغداد. وفد بلدية إربد إلى الصين الشعبية للتوقيع على معاهدة
توأمة مع مدينة شينغ شو الصينية. مؤتمرات دولية في سوريا، لبنان، مصر، تونس،
والعراق. كما كانت عضوًا في عدة شبكات ومنظمات عربية ودولية مثل: الشبكة العربية
للمنظمات غير الحكومية. الملتقى العربي للعلوم الاجتماعية والصحة. المجلس العربي
للطفولة والتنمية.
لم
تغفل الزعبي أهمية العمل السياسي، فكانت عضوا في المجلس الوطني لحزب الجبهة
الأردنية الموحدة، كما كان لها بصمة واضحة في دعم المبادرات الدينية، حيث ساهمت في
إعمار العديد من المساجد ودعم مراكز تحفيظ القرآن الكريم. تقديرا لعطائها الكبير،
حصلت فايزة الزعبي على وسام التربية والتعليم من المغفور له الملك الحسين بن طلال،
رحمه الله، إلى جانب العديد من الشهادات والدروع التكريمية التي لا حصر لها،
تكريمًا لمسيرتها المشرفة في خدمة المجتمع.
إن الفاضلة
فايزة الزعبي ليست مجرد اسم، بل قصة ملهمة تروى للأجيال، فهي قيادية فذة، تمتلك
رؤية استراتيجية في مختلف القضايا الوطنية، وإدارية متميزة، تجمع بين الحكمة،
والشفافية، والصدق في التعامل. تتمتع بشخصية بشوشة محبة للجميع، تحظى باحترام كل
من عرفها، لما تمتلكه من أخلاق رفيعة مستمدة من تعاليم الدين الإسلامي، وتمسكها
بالعادات والتقاليد العربية الأصيلة. سيدة كريمة، متواضعة، ذات قلب كبير، لم تتوان
يوما عن مساعدة أبناء محافظة إربد، فكانت أبوابها مشرعة أمام الجميع، تقدم العون
بلا مقابل، وتغرس الأمل في قلوب المحتاجين. إن الأردن يزهو بنساء أمثال فايزة
الزعبي، اللواتي قدمن للوطن الكثير، وساهمن في نهضته، فهن مثال يحتذى في العطاء
والإخلاص.