تقف طرقات الطفيلة اليوم شاهدة لا تجامل ناطقة بواقع يفرض نفسه بحدته كلما هطلت السماء، واقع تتكرر فيه مشاهد الغرق والانسداد حتى غدت الطرق التي يفترض أن تكون شرايين حياة مسالك قلق ومواطن خطر، تترصد المركبات والمارة على حد سواء.
من الطريق المؤدي إلى مقبرة البقيع، حيث يتضاعف وجع الأهالي حين تحاصرهم المياه في لحظات الوداع الأخيرة، إلى طريق واد زيد عند محطة محروقات الداودية الذي يشهد تعطلا متكررا للحركة
مرورا بطريق القصر في منطقة الحمة السمرا حيث تتجمع مياه السيول مهددة سلامة العابرين وصولا إلى شارع البرنيس عند دوار الدلة وشارع فلسطين مقابل ديوان عشيرة الحوامدة، حيث تتجسد بوضوح صورة انسداد يكشف ضعف التصريف وغياب الحلول المستدامة، تتوالى الشواهد على خلل لم يعد مقبولا السكوت عنه.
وإذا كان طريق المنصورة عبر شارع فلسطين والسيل مغلقا في هذه اللحظة بفعل الطمر والحجارة ومخلفات السيول، فإن ذلك يلخص مأساة عزلة قسرية فرضتها الطبيعة في ظل غياب الجاهزية. أما الطريق الواصل بين حارة القطيفات وحارة البحرات تحت القلعة في منطقة " القف" فيحكي قصة طرق عريقة لم تجد من يصونها، فيما يكشف الطريق المحاذي لدائرة الترخيص باتجاه أبو بنا والطريق الرئيسي في واد زيد أسفل المستشفى العسكري، عن ضعف في التخطيط عند أكثر المواقع خطورة وحساسية.
ولا يقل المشهد قلقا في إسكانات واد زيد والطريق المحاذي لمسجد الإمام علي في منطقة التين، حيث بدأت أعمال التصريف ولم تكتمل، فبقي الطريق غير مهيأ، وكأن المشروع ترك منتصفه، وترك الناس في مواجهة مباشرة مع الخطر
هذه الصور المتكررة ليست تفاصيل عابرة ولا جغرافيا مشتتة، بل مؤشرات صارخة على غياب التنسيق بين الجهات المعنية، وعلى خلل في التخطيط الاستراتيجي الذي يجب أن يسبق التنفيذ لا أن يلحق به. المسألة لم تعد موسمية ولا ظرفية، بل أصبحت جرحا مفتوحا في جسد البنية التحتية، يستدعي وقفة صادقة ومسؤولية مشتركة لا تقبل التأجيل.
وهنا تتحدد المسؤوليات بوضوح لا لبس فيه.
فبلدية الطفيلة الكبرى مطالبة بأن تكون العين الساهرة على تفاصيل الطرق وصيانتها، ومجلس المحافظة معني برفع الصوت وتوجيه البوصلة وتوفير الموازنات اللازمة، ومديرية أشغال الطفيلة تمثل الذراع التنفيذي الذي يحول الخطط إلى واقع، فيما يقع على مجلس الخدمات المشتركة واجب توحيد الجهود وكسر منطق التجزئة. فالتحدي أكبر من جهة واحدة، والحل لا يكون إلا بعمل جماعي منسق.
إن الطرق ليست مجرد إسفلت، بل شرايين حياة تصل الناس بأعمالهم ومدارسهم ومستشفياتهم ومقابرهم، وحين تنسد هذه الشرايين تختنق المدينة بأكملها. والمسؤولية اليوم مسؤولية وطنية محلية مشتركة، والنداء موجه إلى الجهات الأربع لتقف وقفة رجل واحد، وتعلن بوضوح أن الطفيلة لن تبقى رهينة السيول ولا أسيرة الأعذار. المطلوب حلول جذرية وتخطيط واع ومتابعة دقيقة
حتى تعود الطرق إلى وظيفتها الطبيعية: خدمة الإنسان لا تهديده.
فالطفيلة التي تستحق أن تكون منارة، لا يليق بها أن تغرق في برك موسمية، والقرار اليوم بأيديكم أيها المعنيون...!!!