لم يكن الأنباط مجرد نحاتين بارعين، بل كانوا علماء "هيدروديناميكا" سبقوا عصرهم بقرون. فمن يتأمل نظام الري في "سيق بعجة" والبترا، يدرك أننا أمام عبقرية هندسية تتجاوز مجرد حفر القنوات، إنها هندسة "السيطرة الكاملة" التي أضاء جوانبها الدكتور زيدون المحيسن والمهندس عمار خماش.
لغز الميول في "قناتي بعجة"
في مدخل "سيق بعجة" شرق منطقة البيضا، نجد تجسيدا حيا لهذه الدقة. ففصل المياه في قناتين منفصلتين لم يكن تنظيما للملكية فحسب، بل كان اختبارا هندسيا لمبدأ "الميول الدقيقة". لقد صمم الأنباط قنواتهم بميلان يتراوح غالبا بين 0.2 % و 0.4 % فقط، وهو ميل "شبه مستحيل" بالوسائل البدائية.
هذا الميل المدروس بعناية يضمن تدفق المياه بسرعة ثابتة : سرعة كافية لمنع ركود المياه ونمو الطحالب، وفي الوقت نفسه بطيئة بما يكفي لمنع تآكل جسم القناة أو الملاط العازل بفعل الاحتكاك. القناة "العليا" في بعجة كانت تمثل "تكنولوجيا الضغط العالي" في ذلك الوقت، حيث استُخدم ارتفاعها لتأمين وصول المياه لنقاط جغرافية أبعد وأكثر ارتفاعا.
الملاط النبطي (2) : الخلطة السرية لمنع التسرب
لا يمكن الحديث عن هندسة المياه دون ذكر "الملاط" الذي بطنوا به القنوات والصهاريج. لم يكن مجرد طين، بل خلطة كيميائية متطورة تتكون من :
1 ) الجير المطفأ : كمادة رابطة أساسية.
2 ) الرماد البركاني أو الفخار المسحوق : ليعطي الملاط خاصية "الهيدروليكية" ( أي التصلد تحت الماء ).
3 ) الرمل الناعم : لمنع التشققات.
هذه "الخلطة السرية" جعلت القنوات في منطقة البيضا ووادي رم غير نفاذة للماء تماما، مما ضمن عدم ضياع قطرة واحدة في مسام الصخور الرملية، وهو ما يفسر بقاء هذه المنشآت صالحة للاستخدام حتى يومنا هذا.
ترسانة الابتكار : من الترسيب إلى "تليلات العنب"
كان الأنباط يدركون أن مياه السيول تحمل الأتربة، لذا صمموا "أحواض ترسيب" قبل مداخل الصهاريج الرئيسية لفلترة المياه تقنيا.ع وبالتوازي مع ذلك، استخدموا أنظمة ذكية مثل :
1 ) نظام المصاطب : لإبطاء انحدار المياه وتحويلها إلى "رطوبة مخزنة" في التربة.
2 ) تليلات العنب : تلك الرجوم الحجرية التي نراها على سفوح التلال، والتي لم تكن مجرد أكوام حجارة، بل "رادياتيرات" حرارية تكثف ندى الصباح وتوجه مياه الأمطار القليلة بذكاء نحو مسارات زراعية محددة.
السيادة المائية ... درس للمستقبل
بين القرن الثاني قبل الميلاد والثاني الميلادي، أثبتن الأنباط أن "الندرة" هي أم الاختراع. لقد أدارت السلطة المركزية في البترا نظاما مائيا كان يغذي السكان ويحمي المدن من خطر الفيضانات في آن واحد، محولين "السيول الجارفة" إلى "ثروة مخزنة".
اليوم، ونحن نقف أمام هذه الإنجازات في "سيق بعجة" وغيرها من المناطق النبطية، ندرك أن استصلاح هذه الأنظمة ليس مجرد حنين للماضي، بل هو ضرورة تقنية بتكلفة زهيدة لمواجهة تحديات المياه المعاصرة ( شح المياه )، عبر تعلم الدرس الأول من أجدادنا : "في الصحراء، العبقرية هي أن تحفظ بقطرة الماء قبل أن تلمس الرمل".
(1) سيق بعجة : يقع شمال البترا بالقرب من منطقة البيضا.
(2 ) الملاط : هو خليط قوامُه أسمنت ورمل وماء، يُستخدم كـمادة لاصقة في البناء.
بقلم الاستاذ : قيصر صالح الغرايبة
( كاتب وتربوي ، مختص في التاريخ الاجتماعي والحضاري .