مدير العلاقات المؤسسية والاتصال الاستراتيجي - MCC Mena
ربما لم يجانب الصواب الكاتب فواز ارفيفان الخريشا حين سلط الضوء على ظاهرة دبلوماسية تستحق التأمل في مشهدنا المحلي، وهي "أنسنة" العمل الدبلوماسي التي ينتهجها السفير الأمريكي الحالي في الأردن، جيم هولتسنايدر. إن ما قد يراه البعض خروجاً عن المألوف، نراه من منظور الاتصال الاستراتيجي ذكاءً في بناء الجسور وقدرة فائقة على فهم سيكولوجية المجتمع الأردني الأصيل.
إن الدولة الأردنية، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، أثبتت تاريخياً أنها دولة "رسالة" لا دولة "جغرافيا" فقط. فالسياسة الخارجية الأردنية التي تقوم على الاتزان والحكمة والوضوح الاستراتيجي، هي التي جعلت من عمان محطة دولية لا يمكن تجاوزها، وفرضت احترام الأردن على القوى العظمى. وفي هذا السياق، يأتي دور الدبلوماسي الناجح الذي يدرك أن مفتاح العلاقات السياسية المتينة يبدأ من فهم "الإنسان" الأردني، والوصول إلى مضافاته، ومشاركته خبزه وملحه.
لماذا نؤيد هذا الطرح؟
أولاً: كسر الجمود التقليدي: لطالما ارتبطت صورة السفراء بالأسوار العالية والمواكب الرسمية، لكن النهج الحالي يكسر هذه الصورة النمطية. الدبلوماسية المعاصرة هي "دبلوماسية الشعوب"، والنزول إلى الشارع ومشاركة الناس مناسباتهم يعكس احتراماً عميقاً لهوية المجتمع وثقافته.
ثانياً: الاتصال المباشر مقابل التحليل النظري: حين يختار سفير دولة عظمى أن يكون ضيفاً في بيوت الأردنيين، فهو يرسل رسالة مفادها أننا "شركاء" ولسنا مجرد أطراف في معادلة سياسية. هذا التواضع هو أرقى أشكال القوة الناعمة التي تعزز الثقة المتبادلة.
ثالثاً: مصلحة وطنية عليا: إن استقرار الأردن وازدهاره يتطلبان علاقات دولية متينة ومبنية على الفهم المشترك. ومثل هذه المبادرات الاجتماعية للسفراء تساهم في تذويب الجمود الذي قد تفرضه بعض المواقف السياسية الدولية، وتفتح آفاقاً لحوار أكثر شفافية ووضوحاً.
إننا كأردنيين، نعتز بكرامتنا وعروبتنا، ونلتف خلف قيادتنا الهاشمية الغراء، لا نضيق ذرعاً بالضيف الذي يقدر عاداتنا ويحترم خصوصيتنا. بل على العكس، نرى في هذا الانفتاح فرصة لترسيخ مكانة الأردن كدولة حضارية تستقبل الجميع بالترحاب، وتفرض احترامها من خلال قيمها السامية.
ختاماً، ما كتبه الخريشا ليس تجميلاً لصورة، بل هو رصد لواقع دبلوماسي جديد يتسم بالذكاء الاجتماعي والقدرة على التأثير. فالدبلوماسية الحقيقية هي التي تبني الجسور في القلوب قبل أن تبنيها في أروقة السياسة، وهذا ما ينسجم مع رؤية الأردن الحديث في بناء منظومة تواصل مؤسسي وإنساني عابرة للحدود.