يُفترض أن يشكّل القانون في الأردن الإطار الضامن لحقوق الأفراد وحرياتهم، وأن تكون العدالة نتيجة مباشرة لتطبيقه على قدم المساواة. وقد كفل الدستور الأردني في نصوصه مبدأ المساواة أمام القانون وصون الحقوق الأساسية، إلا أن الواقع العملي يثير تساؤلات مشروعة حول الفجوة القائمة أحيانًا بين النص القانوني وتطبيقه، وحول قدرة المواطن العادي على الوصول إلى حقه بيسر وفعالية.
من حيث المبدأ، يتمتع النظام القانوني الأردني ببنية تشريعية متقدمة نسبيًا، تضم قوانين تنظم مختلف جوانب الحياة المدنية والجزائية والإدارية. غير أن وجود هذه النصوص لا يعني بالضرورة تحقق العدالة بصورة تلقائية، إذ إن القانون لا يؤدي غايته إلا إذا كان مفهومًا، ومتاحًا، ومُطبقًا ضمن إجراءات عادلة وشفافة. فالنص القانوني، مهما بلغت دقته، يفقد قيمته العملية إذا بقي بعيدًا عن وعي الناس أو معقّدًا إلى حد يعجز معه المواطن عن استخدامه.
وتتمثل إحدى الإشكاليات الجوهرية في ضعف الثقافة القانونية لدى شريحة واسعة من المجتمع. فكثير من المواطنين لا يدركون حقوقهم أو يجهلون السبل القانونية الصحيحة للمطالبة بها، ما يؤدي إلى التنازل غير الواعي عن الحقوق أو الوقوع في نزاعات كان من الممكن تفاديها. هذا الواقع ينعكس مباشرة على مبدأ الوصول إلى العدالة، الذي لا يقتصر على فتح أبواب المحاكم، بل يشمل تمكين الأفراد من فهم القانون والتعامل معه دون خوف أو ارتباك.
في هذا السياق، تبرز مهنة المحاماة في الأردن بوصفها مهنة ذات دور اجتماعي محوري، لا يقتصر على الترافع أمام المحاكم، بل يمتد إلى التوعية القانونية وتقديم الاستشارة التي تحمي الحقوق قبل ضياعها. فالمحامي، باعتباره شريكًا في تحقيق العدالة، يساهم في تفسير النصوص القانونية وتوجيه الأفراد نحو الحلول القانونية السليمة. إلا أن هذا الدور قد يتعطل أحيانًا نتيجة لاعتبارات الكلفة أو ضعف الثقة أو اللجوء المتأخر إلى الاستشارة القانونية، ما يؤدي إلى تعقيد النزاعات بدل حلّها.
كما لا يمكن تجاهل أثر الإجراءات القضائية وتعقيدها على نظرة المجتمع إلى العدالة. فطول أمد التقاضي، وكثرة المعاملات، واستخدام لغة قانونية غير مبسطة، كلها عوامل تضعف ثقة المواطن بمنظومة العدالة، وتدفع البعض إلى البحث عن حلول بديلة خارج الإطار القانوني. ويشكّل هذا الأمر تحديًا مباشرًا لمبدأ سيادة القانون، الذي يُعدّ حجر الأساس في استقرار المجتمع وحماية الحقوق.
من هنا، تبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي القانوني كجزء من المسؤولية الوطنية، وهي مسؤولية تشاركية لا تقع على عاتق السلطة القضائية وحدها. فالإعلام، والمؤسسات التعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب نقابة المحامين الأردنيين، جميعها جهات قادرة على لعب دور فاعل في تبسيط المفاهيم القانونية ونشر الثقافة الحقوقية، بما يمكّن المواطن من فهم التزاماته قبل حقوقه، ويقلل من النزاعات ويعزز الثقة بالقانون.
إن العدالة في الأردن لا تُقاس فقط بوجود تشريعات متقدمة، بل بمدى شعور الفرد بأن القانون قادر على حمايته وإنصافه دون تمييز أو تعقيد غير مبرر. فالقانون الذي لا يصل إلى الناس، ولا يجدون فيه ملاذًا فعليًا، يفقد جوهره مهما كانت نصوصه متقنة.
ختامًا، يمكن القول إن التحدي الحقيقي لا يكمن في سنّ المزيد من القوانين، بل في تفعيلها وتبسيطها ونشر الوعي بها، بما يضمن انسجام النص مع التطبيق. فهل نكتفي بقوانين مكتوبة بعناية، أم نسعى إلى عدالة حقيقية يشعر بها المواطن الأردني في حياته اليومية؟