قراءة استراتيجية في التحول العقائدي والبنيوي للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي
بقلم اللواء الركن م طلال علي الغبين
الهيكلة بوصفها قراراً استراتيجياً لا إجراءً إدارياً
تأتي إعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية في لحظة تاريخية لم يعد فيها الأمن نتاج التوازنات السياسية أو الضمانات الخارجية، بل محصلة مباشرة للجاهزية الذهنية والوظيفية للدولة، وقدرتها على استيعاب التحول العميق في طبيعة التهديد، والاستجابة له قبل أن يتحول إلى أزمة مفتوحة.
ولا تُقاس أهمية توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، بإعادة هيكلة القوات المسلحة بحدود التغيير التنظيمي الذي يتضمنه، بل بطبيعة الأسئلة الاستراتيجية التي يفرضها على المؤسسة العسكرية والدولة معاً. فالهيكلة، في هذا السياق، لا تُطرح كأداة لإعادة بناء القدرات أو إعادة تنظيم للهياكل التنظيمية أو مجرد إعادة توزيع للموارد، بل كآلية لإعادة تعريف وظيفة القوة العسكرية ودورها ضمن منظومة الأمن الوطني الأردني، في بيئة إقليمية تتآكل فيها الضمانات وتتسارع فيها أنماط الصراع بمختلف أشكاله.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الجيوش التي تستمر في العمل وفق نماذج صُممت لبيئات استقرار نسبية تُخاطر بأن تُفاجَأ عندما تنتقل البيئة من منطق التدرّج إلى منطق الصدمة. ومن هنا، فإن إعادة الهيكلة لا تُفهم بوصفها تصحيحاً مرحلياً، بل تحولاً تأسيسياً في فلسفة القوة العسكرية، يهدف إلى تحصين القرار الوطني قبل اختبار الميدان.
ولا تكتمل إعادة الهيكلة دون مراجعة متزامنة للاستراتيجية العسكرية الأردنية، بوصفها الإطار الذي يوجّه بناء وتطوير القوات المسلحة، ويترجم الأهداف السياسية للحرب (Political Aim) إلى غايات عسكرية واضحة ووسائل قابلة للتنفيذ.
وتفترض هذه المراجعة اعتماد استراتيجية عسكرية مرنة وديناميكية، قادرة على التكيف مع التحولات في البيئة الاستراتيجية، وتغير أنماط التهديد، وتسارع التطور التكنولوجي، بما يحافظ على المواءمة المستمرة بين الغاية السياسية والقدرة العسكرية.
⸻
البيئة العملياتية الجديدة وتحول طبيعة التهديد
لم تعد البيئة العملياتية المعاصرة تُنتج تهديدات خطية واضحة المعالم أو قابلة للتنبؤ الزمني. فالتهديد اليوم يتسم بالسرعة والدقة، والقدرة على إحداث أثر استراتيجي دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وهو تهديد يقوم على تعطيل منظومات القيادة والسيطرة، وإرباك عملية اتخاذ القرار، وفرض وقائع ميدانية أو ردعية خلال زمن قصير، مستفيداً من التفوق النوعي والتقني أكثر من اعتماده على الحشد التقليدي.
ويزداد تعقيد هذا المشهد مع تصاعد أنماط الصراع ما دون مستوى الحرب، حيث تُدار المواجهات عبر أدوات الضغط غير المباشر والعمليات الرمادية، في ظل اندفاعات أيديولوجية ونشوة تفوق يعيشها اليمين المتطرف في الاتجاه الاستراتيجي الغربي، بما يفرض تحديات مركّبة على مفاهيم الردع والاستجابة التقليدية.
في هذا السياق، لا يكون الهدف تحطيم القوة العسكرية مادياً، بل تحييدها وظيفياً في اللحظات الحرجة. وعليه، فإن معيار الجاهزية لم يعد مرتبطاً فقط بالقدرة على القتال، بل بالقدرة على الاستمرار في العمل تحت الضغط، والحفاظ على تماسك القيادة، ومنع فقدان زمام المبادرة في الساعات الأولى لأي أزمة.
التحول العقائدي: من عقيدة المواجهة إلى عقيدة الصمود الوظيفي
إن جوهر إعادة الهيكلة يكمن في التحول العقائدي. فالعقيدة القتالية التقليدية، التي تفترض وضوح الجبهة وتدرّج التصعيد، لم تعد كافية لإدارة بيئة يغلب عليها الغموض العملياتي، وتداخل المجالات البرية والجوية والبحرية والسيبرانية والتقنية في آن واحد.
العقيدة المطلوبة في المرحلة القادمة هي عقيدة الصمود الوظيفي، ويُقصد بها قدرة المؤسسة العسكرية على الحفاظ على وظائف القيادة والسيطرة واتخاذ القرار والقتال، رغم التعرّض لتعطيل جزئي أو مفاجئ لبعض مكوناتها أو عقدها الحساسة. وهي عقيدة تقوم على افتراض التعرّض لضغط مبكر، وعلى ضمان بقاء المنظومة العسكرية قادرة على أداء وظائفها الأساسية حتى في بيئة فقدان جزئي للسيطرة أو التشويش أو الاستهداف.
فالمعيار هنا يُقاس بمدى قدرة القوات المسلحة على امتصاص الضربة الأولى، والحفاظ على تماسكها، والانتقال المنظم من الصدمة إلى الفعل.
التدريب: من إتقان الإجراء إلى إدارة الغموض العملياتي
لا يمكن ترجمة العقيدة الجديدة إلى واقع عملي دون إعادة تعريف فلسفة التدريب. فالتدريب الذي يركّز على إتقان الإجراء في بيئة مستقرة يُنتج قادة أكفاء في الظروف المثالية، لكنه لا يُعدّهم لإدارة التعقيد والغموض والضغط الزمني الذي يميّز العمليات المستمرة في الأزمات الحديثة.
التدريب المطلوب هو تدريب قائم على السيناريوهات المركّبة، يُدرّب القائد على اتخاذ القرار في ظل نقص المعلومات، وتعارض المؤشرات، وتغيّر الموقف العملياتي في الزمن الحقيقي، بما يضمن استمرارية الفعل العسكري رغم عدم اكتمال الصورة.
ويتطلب ذلك تدريب القادة على العمل في بيئات تتسم بعدم الوضوح، وارتفاع مستويات عدم اليقين، وتضارب التقديرات الاستخبارية، بحيث يصبح اتخاذ القرار في ظل الشك حالة طبيعية لا استثنائية.
ولا يقتصر تطوير التدريب على القادة، بل يشمل كامل البنية البشرية للقوات المسلحة، ضباط صف وأفراداً، بما يضمن تجسيد التحول العقائدي على المستوى الميداني.
القوى البشرية: إعادة تعريف القائد العسكري
التحدي الذي تفرضه المنظومات المتقدمة لا يكمن في تشغيلها تقنياً، بل في القدرة على فهم حدودها وعدم الارتهان لمخرجاتها. ومن هنا، فإن الإنسان العسكري يظل محور التحول الحقيقي، مهما تطورت الوسائل والتقنيات.
القائد المطلوب في المرحلة القادمة ليس ضابط اختصاص ولا إدارياً تقليدياً، بل قائد عمليات يمتلك وعياً استراتيجياً، وقادراً على الربط بين المستويات التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية.
ولا يقل أهمية عن ذلك الإعداد النفسي للمقاتل، وترسيخ العقيدة الدينية والقيم الوطنية، بما يعزز دافعية القتال ووضوح الهدف، ويشكّل ركيزة أساسية للصمود والثبات في ظروف الضغط الشديد.
التنظيم وإعادة تعريف بنية القوة
في هذا الإطار، لا تعني إعادة الهيكلة إعادة توزيع وحدات أو تغيير مسميات تنظيمية فحسب، بل إعادة تعريف طبيعة القوة العسكرية ذاتها. فالتحول الجوهري يتمثل في الانتقال من جيش يتمركز حول «الوحدة» إلى قوة تتمحور حول «القدرة».
وينبغي أن يواكب هذا التحول تركيز واعٍ على تعظيم نقاط القوة النوعية للقوات المسلحة الأردنية، المستندة إلى طبيعة الأرض وخصائص الجندي الأردني، وتوجيه بناء القدرات وفق مبدأ استثمار ما يخشاه الخصم، لا محاكاة أدواته أو نماذجه.
التكنولوجيا كرافعة للعقيدة الجديدة
لا تُفهم مواكبة التطورات التكنولوجية بوصفها تحديثاً تقنياً معزولاً، بل كجزء عضوي من إعادة تعريف القوة العسكرية.
ويفترض أن يكون من نتاج هذا التحول تمكين المجتمع الصناعي الدفاعي الوطني، عبر ربط الجامعات بالبحث التطبيقي العسكري، وتحفيز الابتكار التكنولوجي، والتوجه نحو شراكات صناعية استراتيجية (Joint Ventures) مع حلفاء مختارين، بما يعزز الاستقلالية والمرونة الاستراتيجية.
إعادة الهيكلة كوقاية من المفاجأة الاستراتيجية
إن التخطيط العسكري المسؤول لا يفترض دوام الترتيبات السياسية، ولا يراهن على استقرار البيئة الإقليمية.
ولضمان تركيز القيادة العسكرية على مهامها العملياتية والاستراتيجية، تبرز الحاجة إلى إعادة تفعيل وزارة الدفاع، وتكليفها بإدارة الملفات الإدارية واللوجستية والخدمية، بما يخفف العبء عن القيادة المشتركة ويتيح تفرغها لأداء واجباتها العملياتية والاستراتيجية، بما يعزز كفاءة القرار العسكري.
⸻
من الهيكل إلى العقيدة
إن التوجيه الملكي السامي بإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية لا ينبغي أن يُقرأ كقرار إداري، بل كوثيقة تأسيسية لمرحلة عسكرية جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين القوة والدولة والتهديد.
وعليه، فإن الهيكلة ليست نهاية مسار، بل بداية انتقال من جيش جاهز للقتال إلى جيش جاهز لمنع المفاجأة الاستراتيجية. فالجيش الذي يعيد تعريف نفسه قبل أن يُختبر، هو جيش يختار أن يصنع وقته، لا أن يُفاجَأ به.