مع تنامي ظاهرة الإدمان الرقمي وارتفاع معدلات استخدام الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بين فئة المراهقين والشباب، لم يعد الأمر مجرد ترفٍ تقني أو وسيلة ترفيه، بل تحوّل إلى سلوك يومي يستهلك الوقت والطاقة والانتباه ، في المقابل، ظهر مصطلح "الصيام الرقمي” إلى جانب ما يُعرف بـ "تنقية السموم الرقمية”، وهما مفهومان يدعوان إلى الامتناع المؤقت أو المنظم عن استخدام الأجهزة الذكية والتطبيقات الرقمية، بهدف استعادة التوازن النفسي والذهني.
الصيام الرقمي لا يعني الانقطاع الكامل عن التكنولوجيا بقدر ما يعني إعادة ضبط العلاقة معها، ووضع حدود واضحة للاستخدام، سواء عبر تخصيص ساعات خالية من الشاشات، أو إيقاف الإشعارات، أو الابتعاد عن مواقع التواصل لفترة محددة.
الدراسات تشير إلى أن الإفراط في التعرض للشاشات يرتبط باضطرابات النوم، وضعف التركيز، وارتفاع مستويات القلق والمقارنة الاجتماعية، فيما يمنح التخفف الرقمي مساحة لاستعادة الهدوء الداخلي وتحسين جودة العلاقات الواقعية ، كما أن الامتناع المؤقت عن التصفح العشوائي يتيح للفرد إعادة اكتشاف أنشطة بسيطة لكنها عميقة الأثر، كالقراءة، والمشي، والحديث المباشر مع العائلة، وممارسة الهوايات ومع ذلك، فإن نجاح الصيام الرقمي يتطلب وعياً ذاتياً وإرادة حقيقية، لأن التحدي لا يكمن في إغلاق الهاتف فقط، بل في مقاومة الرغبة المستمرة بالعودة إليه. في زمن أصبحت فيه الشاشات نافذتنا الأولى على العالم، قد يكون الانسحاب المؤقت منها هو الطريق الأقصر للعودة إلى ذواتنا.
وفي النهاية، قد لا يكون الصيام الرقمي رفاهية كما يعتقد البعض، بل ضرورة نفسية في زمن الاستهلاك المستمر ، لسنا مطالبين باعتزال العالم الافتراضي، لكننا مطالبون بحماية وعينا من الاستنزاف، وأوقاتنا من التبديد، ومشاعرنا من المقارنة القاسية ، أن نضع الهاتف جانبًا لساعات ليس خسارة، بل استعادة لشيء أعمق صفاء الذهن، وهدوء القلب، وقدرتنا على الإصغاء لأنفسنا قبل أي إشعار آخر ، ربما يبدأ التغيير بخطوة بسيطة، لكن أثره قد يعيد إلينا توازنًا افتقدناه طويلًا.
ولعلّ شهر رمضان فرصة حقيقية لتحويل هذه الفكرة إلى ممارسة فعلية، فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يمتد ليشمل سلوكنا وأفكارنا ، يمكن أن نعقد النية على الصيام عن عادة لا نحبها في أنفسنا؛ ككثرة التفكير المرهق الذي يستنزف طاقتنا دون جدوى، أو إساءة الظن بالناس قبل التثبت، أو التسرع في إطلاق الأحكام والتعليقات الجارحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، فكما نمتنع عن الطعام والشراب، نستطيع أن نمتنع عن فكرة سلبية، أو كلمة مؤذية، أو رد فعل متشنج.
ومع الالتزام لواحد وعشرين يومًا، وهي مدة كافية لترسيخ سلوك جديد أو كسر عادة قديمة، قد نكتشف أننا قادرون على كسر دوائر سلوكية ظننا طويلًا أنها جزء ثابت منا
التحدي ليس في الامتناع المؤقت، بل في أن نخرج من الشهر وقد خفّت حدّة أحكامنا، وهدأ تفكيرنا، وصار حضورنا في الواقع وعلى السوشال ميديا أكثر اتزانًا وإنصافًا