في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات وتتشابك فيه التأثيرات، يثبت الأردن أنه وطنٌ يعرف كيف يوازن بين صون الحريات وترسيخ هيبة القانون، وبين اتساع مساحة الرأي وثبات مرجعية الدولة. وقد جاء حديث معالي محمد المومني واضحًا وحاسمًا في ترسيخ هذه المعادلة: حرية رأي يكفلها الدستور، يقابلها التزامٌ صارم بعدم تجاوز القانون أو المساس بالوحدة الوطنية أو الإخلال بالسلم المجتمعي. إنها ليست معادلة ظرفية، بل نهج دولةٍ تدرك أن الحرية حين تنفصل عن المسؤولية تتحول إلى فوضى، وأن الكلمة حين تُجرَّد من القيم قد تصبح أداة هدم بدل أن تكون وسيلة بناء.
إن الأمن الوطني ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تبدأ من وعي الفرد بما يكتب وينشر، وتمتد إلى التزام المؤسسة بروح القانون، وتتعزز بثقافة مجتمعية ترى في الاختلاف تنوعًا لا خصومة، وفي الحوار جسرًا لا ساحة صراع. وقد شدد معاليه على أن إنفاذ القانون يتكامل مع تعزيز الوعي والتثقيف، لأن الوقاية الفكرية هي خط الدفاع الأول في مواجهة خطاب الكراهية ومحاولات بث الفرقة.
وبقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني حفظة الله ورعاه يؤكد الأردن دومًا أن قوة الدولة تنبع من تماسك جبهتها الداخلية، وأن صلابة الموقف الوطني أساسها ثقة متبادلة بين القيادة والشعب. فالكلمة أمانة، والانتماء فعلٌ يومي، والمسؤولية شراكة لا تُختزل في مؤسسة أو جهاز.
لقد أثبت الأردنيون عبر تاريخهم أن الاعتدال والتسامح ليسا مجرد مفردات في خطاب عام، بل قيم راسخة في الضمير الجمعي. ومن هنا جاءت مناعة المجتمع؛ من إيمانه بأن وحدته مصدر قوته، وأن تنوعه ثراءٌ لا تهديد، وأن القانون مظلة جامعة تحمي الجميع بعدالة وحزم.
أما التحديات، فليست قدرًا يُرهق الأوطان، بل فرصة لاختبار صلابتها وتجديد طاقتها. والأردن لم يكن يومًا أسير الأزمات، بل صانعًا لفرصٍ تولد من رحم الصعاب. من شحّ الموارد واشتداد الإقليم، وُلدت الإرادة، وتكرّست معاني الاعتماد على الذات، وتحولت الضغوط إلى دافعٍ للإنجاز والتطوير.
ويظل القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي وأجهزتنا الأمنية الباسلة عنوان الطمأنينة وسياج الوطن المنيع؛ يسهرون ليبقى الوطن آمنًا، ويجسدون أسمى معاني الولاء والانتماء. إنهم لا يحمون الحدود فحسب، بل يصونون الاستقرار ويحفظون المنجز، ويؤكدون أن الأردن عصيٌّ على كل من يحاول النيل من وحدته أو العبث بأمنه.
إن تعزيز الانتماء ليس خطابًا إنشائيًا، بل منظومة عمل تبدأ من الأسرة، وتتكرس في المدرسة، وتتعزز في الإعلام، وتُصان بسيادة القانون. هو وعيٌ بأن الاختلاف لا يفسد للوطن قضية، وأن الحوار الهادئ أقوى من ضجيج التحريض، وأن المسؤولية المشتركة هي الضمانة الحقيقية للاستقرار.
فلننظر إلى التحديات بعين الفرصة، وإلى المتغيرات بروح المبادرة. فكل أزمة تحمل في طياتها بذور إصلاح، وكل اختبار يعمّق خبرتنا ويقوّي عزيمتنا. وسيبقى الأردن، بإذن الله، وطن الحرية المسؤولة والوحدة الصلبة، وطنًا يحمي حرياته بالقانون، ويصون وحدته بالوعي، ويعزز أمنه بروح الشراكة الصادقة بين قيادته الهاشمية وجيشه العربي وأجهزته الأمنية وشعبه الوفي.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وجعل من كل تحدٍّ منطلقًا لفرصة، ومن كل ظرفٍ خطوةً نحو مستقبلٍ أكثر رسوخًا وازدهارًا.