يأتي الكثير من العرب إلى أستراليا وهم يحملون طموحات كبيرة ببناء حياة مستقرة وفرص عمل أفضل، لكن الواقع العملي داخل بعض البيئات قد يكشف عن تحديات وتجارب سلبية لا يتوقعها القادم الجديد. فبدلاً من الدعم والتعاون، قد يواجه البعض أنماطاً من التعامل تتسم بالتحكم أو الاستغلال أو غياب المهنية.
في بعض محلات التبغ، يعمل بائع بأجر عادي لكنه يتصرف وكأنه صاحب العمل أو صاحب القرار، فيحاول فرض نفسه على العامل الجديد من خلال إعطاء الأوامر والتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وكأن السلطة مرتبطة بالشخص لا بالوظيفة. هذا السلوك قد يخلق بيئة عمل متوترة ويجعل الموظف الجديد يشعر بعدم الاحترام منذ البداية.
وفي حالات أخرى، قد يبدأ العامل يومه الأول ليُفاجأ بأسلوب صراخ أو توبيخ من زميل أو مسؤول، بدلاً من الترحيب أو التدريب الهادئ، مما يترك انطباعاً سلبياً ويؤثر على الثقة بالنفس.
ومن الظواهر المقلقة أيضاً أن بعض أصحاب محلات التبغ يفرضون على العامل الجديد فترة تدريب تمتد شهراً كاملاً بأجر بخس جداً، وكأن الموظف مهندس تحت التدريب أو في وظيفة تتطلب تأهيلاً معقداً، رغم أن طبيعة العمل لا تستدعي ذلك. يتحول "التدريب” في هذه الحالة إلى وسيلة لتقليل التكاليف واستغلال حاجة العامل للعمل، بدلاً من أن يكون فرصة حقيقية للتعلم والتأهيل.
ولا تقتصر هذه الظواهر على قطاع التجزئة، بل تظهر أيضاً في مجال المقاولات، حيث قد يتم استدعاء العامل ليوم واحد، فيظن أنه حصل على فرصة عمل مستمرة، ثم يتفاجأ برسالة في المساء تفيد بعدم الحضور في اليوم التالي، رغم أن صاحب العمل كان يبحث عن عمال. هذا الأسلوب يخلق حالة من عدم الاستقرار ويضع العامل تحت ضغط دائم.
ومن خلال تجربة الكثيرين، يرى بعض العمال أن العمل مع أصحاب عمل أو شركات من خلفيات غير عربية يكون في كثير من الأحيان أكثر وضوحاً من حيث العقود، واحترام ساعات العمل، والالتزام بالدفع، مما يجعلهم يشعرون بأن العمل مع الأجانب قد يكون أفضل من حيث التنظيم والاستقرار. ورغم أن هناك عرباً يتمتعون بأعلى درجات الأمانة والمهنية والضمير الحي، إلا أنهم — بحسب تجارب الكثيرين — قليلون جداً، وهو ما يجعل الحاجة ملحّة لتعزيز قيم الصدق والنزاهة والمسؤولية داخل بيئات العمل، حتى تكون الثقة هي الأساس لا الاستغلال.
تذكرنا الشريعة الإسلامية بعواقب حب المال والسلطة والتكبر، فقد قال الله تعالى:
•"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر.” – مسلم
•"لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب أحب أن يكون له واديان.” – متفق عليه
•"من غش فليس مني.” – مسلم
•"الكِبر بطر الحق وغمط الناس.” – مسلم
•"ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس.” – متفق عليه
هذه التعاليم تحث على الصدق، والعدل، وعدم استغلال الآخرين بغرض جمع المال أو فرض السيطرة، وهو ما يرتبط مباشرة بموضوع بيئة العمل التي ناقشناها.
إن تحسين بيئة العمل داخل المجتمع يبدأ بالوعي، وبالالتزام بالعدالة والشفافية، واحترام العامل الجديد، وتقديم التدريب الحقيقي لا الشكلي، والتعامل المهني بعيداً عن الصراخ أو فرض النفوذ الشخصي. فنجاح أي مجتمع في المهجر لا يقاس فقط بالإنجازات الفردية، بل أيضاً بمدى دعمه لأفراده وحرصه على كرامتهم.
في النهاية، تبقى التجارب السلبية دروساً يمكن أن تدفع نحو التغيير، وتذكيراً بأهمية اختيار بيئة العمل المناسبة، ومعرفة الحقوق، والسعي لبناء علاقات قائمة على الاحترام لا على السلطة، مع تذكّر التحذيرات الدينية من حب المال والتكبر وعدم الخشية من الله، التي تبين مصير المستكبرين والمستغلين في الآخرة