في الآونة الأخيرة، تصاعدت حالة الجدل في الشارع الأردني على خلفية التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، والتي أعلنت عنها المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي. وبين مبررات رسمية تتحدث عن الاستدامة المالية، ومخاوف شعبية تتعلق بالحقوق المكتسبة، يجد المواطن نفسه أمام تساؤلات مشروعة تمسّ مستقبله الوظيفي وأمنه الاجتماعي.
الضمان الاجتماعي ليس مجرد اقتطاع شهري من الراتب، بل هو منظومة أمان وطني تحمي العامل عند التقاعد أو العجز أو الوفاة، وتمنحه شعوراً بالاستقرار طوال سنوات عمله. لذلك، فإن أي تعديل على هذه المنظومة يُنظر إليه بحساسية عالية، خاصة إذا كان يمس سن التقاعد، أو عدد الاشتراكات المطلوبة، أو آلية احتساب الراتب التقاعدي.
لماذا يحتجّ الشعب؟
أولاً، يشعر كثير من العاملين بأن بعض التعديلات المقترحة قد تؤدي إلى إطالة سنوات العمل قبل استحقاق التقاعد، في وقت يعاني فيه سوق العمل من تحديات حقيقية، أبرزها البطالة وندرة الفرص المستقرة.
ثانياً، هناك تخوف من المساس بما يعتبره المشتركون "حقوقاً مكتسبة”، خاصة لمن خططوا لحياتهم المستقبلية بناءً على التشريعات النافذة سابقاً.
ثالثاً، يرى البعض أن أي إصلاح مالي يجب ألا يكون على حساب الفئات ذات الدخل المحدود، التي تعتمد بشكل أساسي على راتبها التقاعدي كمصدر أمان بعد سنوات طويلة من الخدمة.
الاحتجاج هنا لا يعكس رفضاً لمبدأ الإصلاح، بل مطالبة بأن يكون الإصلاح عادلاً، تدريجياً، وتشاركيّاً. فالشعب الأردني يدرك أهمية الحفاظ على ديمومة الصناديق التأمينية، لكنه في الوقت ذاته يطالب بالشفافية والحوار قبل اتخاذ قرارات تمس حياته مباشرة.
دور الحكومة ومجلس النواب
اليوم، تتجه الأنظار إلى مجلس النواب الأردني لمناقشة هذه التعديلات، وسط دعوات لفتح حوار وطني موسع يشمل النقابات، والخبراء الاقتصاديين، وممثلي العمال. كما يُنتظر من حكومة الأردن، برئاسة جعفر حسان، أن توازن بين متطلبات الاستقرار المالي ومطالب العدالة الاجتماعية.
فالسياسات العامة، خصوصاً تلك المرتبطة بالأمن الاجتماعي، لا يمكن أن تنجح دون ثقة الناس. والثقة لا تُبنى إلا عبر الاستماع، والمصارحة، وإشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين في صناعة القرار.
الشعب أساس منظومة العمل
العمال والموظفون هم العمود الفقري للاقتصاد الوطني. هم من يحرّكون عجلة الإنتاج، ويساهمون في رفد الخزينة، وبنوا عبر سنوات اشتراكاتهم صندوق الضمان نفسه. لذلك، فإن إشراكهم في أي تعديل يخص مستقبلهم ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة أخلاقية ووطنية.
إن الاستقرار الاجتماعي لا يتحقق فقط بالأرقام والتقارير المالية، بل يتحقق بالشعور بالإنصاف. وعندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن رأيه معتبر، تتحول الاحتجاجات إلى شراكة، والاعتراض إلى اقتراح.
في النهاية، المطلوب ليس إلغاء الإصلاح، بل إعادة صياغته بروح تشاركية تضع الإنسان في قلب المعادلة. فالدولة القوية هي التي تستند إلى شعبها، والشعب الواعي هو الذي يطالب بحقه دون أن يتخلى عن مسؤوليته. وبين الطرفين، يبقى الحوار الصادق الطريق الأقصر إلى قرار عادل ومستدام