بين غيمةٍ مُثقلة بالبشرى، وطلةٍ تلفزيونية كانت بمثابة " مواقيت الفرح " للأردنيين، يبرز اسم الدكتور علي عبنده، الرجل الذي لم يكن مجرد راصدٍ للحالة الجوية، بل كان بوصلة القلوب التي تتجه نحو السماء مع كل شتاء. هو الغائب الحاضر الذي ارتبط اسمه برائحة الأرض بعد المطر، وبصوت المزاريب (
المزراب وجمعه مزاريب هو قناة أو أنبوب يُثبّت في أطراف أسطح المباني، ووظيفته تجميع مياه الأمطار وتصريفها بعيداً عن الجدران أو باتجاه آبار التجميع.
في الثقافة الشعبية، يُعد صوت المزاريب رمزاً لهطول المطر الغزير والخير، وهو من الأصوات المرتبطة بذاكرة الشتاء والدفء العائلي في البيوت القديمة ) التي تعزف لحن الخير في بيوت القرى والمدن على حد سواء.
رحلة العلم والتأصيل المعرفي :
من سهول إربد المعطاءة، استمد علي عبنده المولود عام 1931م صموده وشغفه بالأرض. لم يقف طموحه عند حدود التأمل، بل سار في دروب العلم الوعرة حتى نال أرفع الدرجات الأكاديمية ( درجة الدكتوراه )، ليتحول من هاوٍ لمراقب السماء إلى عالمٍ يشار إليه بالبنان.
ولم تكن مسيرته مجرد رصدٍ عابر، بل تجلت عبقريته في الجانب العلمي والتأليفي، حيث عمل على تأصيل علم الأرصاد وربطه بالتراث العربي العريق. وقد ترك للمكتبة العربية والوطنية إرثاً غنياً من المؤلفات التي تعد مراجع أساسية، ومن أبرزها :
١ ) كتاب " الفلك والأنواء في التراث العربي " : وفيه ربط بين العلم الحديث وما ورثه العرب من معرفة بالنجوم والرياح.
٢ ) كتاب " الأرصاد الجوية " : الذي يعتبر المرجع الأول للطلبة والهواة في الأردن.
٣ ) كتاب " الظواهر الجوية " : الذي شرح فيه تقلبات المناخ بأسلوب علمي رصين.
٤ ) كتاب " المنذر " : وهو مؤلف يتناول التحذيرات الجوية وكيفية التعامل مع الظروف القاسية.
باني المؤسسة وعرّاب الأجيال ( المسيرة المهنية ) :
لم يقتصر دور الدكتور عبنده على الشاشة، بل كان خلف الكواليس مهندساً إدارياً فذاً. فخلال الحقبة التي تولى فيها إدارة دائرة الأرصاد الجوية الأردنية، شهدت الدائرة قفزة نوعية، حيث نقلها من العمل التقليدي إلى صرحٍ إقليمي ينافس في دقة أدواته ومعاييره، مما جعله خبيراً معتمداً لدى المنظمات الدولية.
وفي الجانب الأكاديمي، كان " أبو الراصدين " يرى في التعليم أمانة وطنية، فعمل مدرساً لمادة الأرصاد الجوية والفلك في أكاديمية الطيران الأردنية وسلاح الجو الملكي، مساهماً بذلك في تأسيس أجيال من الطيارين والمختصين الذين تعلموا منه صرامة العلم ودقة التحليل.
الحضور الإعلامي والإنساني : " رجل المطر " :
أما في الوجدان الشعبي، فقد حقق الدكتور عبنده ما لم يحققه غيره، إذ استطاع تحويل " النشرة الجوية " من مادة جافة ومملة إلى فقرة ينتظرها الملايين بلهفة. تميز بـ قدرة فائقة على التواصل، فكان يخاطب المزارع في حقله بكلمات بسيطة، ويخاطب المثقف بلغة العلم الرصينة.
ارتبطت صورته بالصدقية العالية، فكانت كلمته بمثابة قرار وطني للاستعداد للزائر الأبيض. وحتى حين كانت الطبيعة تباغت التوقعات، كان يواجه ذلك بابتسامة الواثق وتواضع العلماء، مما جعله يحظى بمحبة استثنائية تجلت في الأهازيج الشعبية التي كانت تناديه باسمه في ليالي الثلج، معتبرين إياه " فرد من أفراد العائلة الأردنية ".
رحيل الجسد وبقاء الأثر :
ترجل الدكتور علي عبنده عن صهوة الحياة في عام 2006م، لكنه لم يرحل عن ذاكرة الأردنيين. لقد ترك خلفه نموذجاً للإعلامي المتخصص الذي يجمع بين المكانة العلمية، والمهارة الإدارية، والقبول الشعبي.
سيبقى الدكتور علي عبنده منارةً تُضيء في سماء الإعلام العلمي، ورمزاً لجيل الرواد الذين بنوا مؤسسات الوطن بصدق وإخلاص. إن ذكراه لا تمر مع كل غيمة فحسب، بل هي محفورة في سجل الشرف الأردني كأحد أعظم من قرأوا لغة السماء للأرض.