في كل عام، يتخرج آلاف الطلبة من الجامعات الأردنية، يحملون شهاداتهم وأحلامهم وطموحاتهم بدخول سوق العمل. لكن خلف مشهد التخرج الاحتفالي، يقف آلاف من الخريجين القدامى الذين مضت سنوات على تخرجهم دون أن يحصلوا على فرصة عمل حقيقية. هؤلاء لم يعودوا "حديثي تخرج”، لكنهم أيضاً لم يصبحوا جزءاً من سوق العمل؛ عالقون في منطقة الانتظار.
لماذا لا تُتاح الفرص للجميع؟
يعاني الخريجون القدامى من عدة تحديات، أبرزها:
• تكدس الطلبات في ديوان الخدمة المدنية.
• محدودية الشواغر في القطاع العام.
• اشتراط الخبرة في القطاع الخاص، رغم غياب الفرصة لاكتسابها.
• ضعف المواءمة أحياناً بين التخصصات واحتياجات السوق.
لكن ما يزيد الإحباط لدى كثيرين هو الشعور بعدم تكافؤ الفرص، ووجود ما يُعرف اجتماعياً بـ"الواسطة”، التي يعتقد البعض أنها تختصر سنوات الانتظار للبعض، بينما يظل آخرون ملتزمين بالدور والترتيب دون نتيجة.
الواسطة… أزمة ثقة قبل أن تكون مخالفة
الواسطة لا تؤثر فقط على من لم يحصل على الوظيفة، بل تضرب مبدأ العدالة في أساسه. فعندما يشعر الخريج أن جهده وتفوقه لا يكفيان، وأن الفرصة قد تُحسم بعلاقة أو توصية، تتراجع ثقته بالمؤسسات وبجدوى الاجتهاد.
إن تكافؤ الفرص ليس شعاراً، بل ركيزة من ركائز الدولة الحديثة. وأي خلل في هذا المبدأ ينعكس على الإنتاجية، وعلى شعور الانتماء، وحتى على الاستقرار الاجتماعي.
ماذا يريد الخريجون القدامى؟
مطالبهم في جوهرها بسيطة وعادلة:
• شفافية واضحة في التعيينات.
• إعلان الشواغر ومعايير الاختيار بشكل صريح.
• إعطاء أولوية عادلة لمن طال انتظارهم.
• ربط التعيين بالكفاءة لا بالعلاقات.
• فتح برامج تشغيل حقيقية تستهدف التخصصات الراكدة.
هم لا يطلبون امتيازات خاصة، بل يطالبون بفرصة عادلة تثبت أن الاجتهاد له قيمة، وأن الانتظار لم يكن عبثاً.
المسؤولية مشتركة
المؤسسات الرسمية مطالبة بتعزيز أنظمة الرقابة والشفافية، وتفعيل مبدأ المساءلة في أي تعيينات لا تستند إلى أسس واضحة. كما أن المجتمع نفسه مدعو لرفض ثقافة الواسطة وعدم تبريرها، لأن ضررها في النهاية يطال الجميع.
إن الوطن لا يُبنى إلا بسواعد أبنائه الأكفاء. وعندما يحصل كل شخص على فرصته وفق كفاءته، فإننا لا ننصف فرداً فقط، بل نعزز منظومة العمل بأكملها.
الخريجون القدامى لا يريدون أكثر من حقهم في فرصة عادلة. فهل آن الأوان أن يتحول شعار تكافؤ الفرص إلى واقع ملموس؟