الأردنيين، من نبتَ في ظلال ' سحم ' وأضاء ' شعلة اليرموك ' بعلمه وفكره ... إلى أستاذي الأجلّ الدكتور يوسف الغوانمه، الذي علّمنا أن التاريخ ليس مجرد ورق قديم، بل هو هوية الأرض ونبض الأجيال ... اكتب هذه السطور وفاءً لعهد التلمذة، وعرفاناً بجميل الأثر.
حين يرحل الكبار، تظل آثارهم مناراتٍ تهدي السائرين في دروب المعرفة. وفي تاريخنا الوطني الأردني، يقف الأستاذ الدكتور يوسف الغوانمه كجبلٍ راسخ من جبال الشمال، كرس حياته لتوثيق أمجاد هذه الأرض وحماية ذاكرتها من النسيان. تقاس حضارة الأمم بمقدار ما تنجبه من مفكرين ومبدعين يشكلون بجهدهم " مستودع الذكريات " ومنطلق استشراف المستقبل. وعند الحديث عن قامة وطنية وعلمية سامقة مثل الدكتور يوسف الغوانمه، فإننا نتحدث عن أحد أبرز رواد الحركة الثقافية والفكرية في الأردن وبلاد الشام، الذي لم يكن مجرد مؤرخ، بل كان مدرسة قائمة بذاتها. بصفتي أحد طلبته الذين نهلوا من علمه في جامعة اليرموك، أكتب هذه الكلمات وفاءً لذكراه العطرة وإرثه الذي لا يغيب.
1 ) النشأة والتكوين : من قرى الكفارات إلى العالمية :
وُلد الدكتور يوسف الغوانمه عام 1935 م في بلدة سحم الكفارات بمحافظة إربد، في كنف أسرة ريفية حرص عميدها الشيخ حسن الغوانمه — الذي كان من كبار تجار إربد ومحباً للعلم — على دفع أبنائه لمواصلة تعليمهم.
التعليم الأساسي : بدأ رحلته في مدرسة القرية، ثم انتقل لمدينة إربد ليلتحق بمدرسة " العروبة " ومن ثم " ثانوية إربد " التي تخرج فيها عام 1954 م.
التعليم الجامعي : حصل على البكالوريوس والماجستير من جامعة الإسكندرية في التاريخ الإسلامي، ثم تُوجت مسيرته بالحصول على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من ذات الجامعة عام 1978 م، إضافة إلى أبحاث ما بعد الدكتوراه ( Post Doctorate ) من جامعة برينستون العريقة بالولايات المتحدة عام 1979 م.
2 ) المناصب الأكاديمية والريادة المؤسسية :
كان الدكتور الغوانمه " رجل المهمات الصعبة " في جامعة اليرموك، حيث ساهم في تأسيس مداميكها العلمية من خلال مناصب عدة :
مؤسس ورئيس قسم التاريخ (1984-1986م ).
مؤسس وعميد كلية التربية والفنون (1988-1990م ).
عميد كلية الآداب (1990-1994م ).
أستاذ كرسي " دراسة تاريخ الأردن الحديث والمعاصر " بمركز الدراسات الأردنية.
مؤسس ورئيس تحرير مجلة " مسكوكات اليرموك ".
خارج أسوار الجامعة : أسس منتدى إربد الثقافي عام 1982 م وترأسه لقرابة ثلاثة عقود، كما نال عضوية مجمع اللغة العربية الأردني واللجنة الدولية لتاريخ بلاد الشام.
3 ) الفلسفة التاريخية : الأردن في قلب الحدث
لم يكن الغوانمة مؤرخاً يقبع في الأبراج العاجية، بل آمن بأن " حب الأرض يجري في العروق "، وهو ما دفعه للتخصص في تاريخ الأردن لإثبات عمقه الحضاري. تميز منهجه بـ:
المزج بين تحقيق المخطوطات والنزول الميداني لتوثيق الآثار والنقوش.
التركيز على العصور الأيوبية والمملوكية، مبرزاً دور الأردن كمركز استراتيجي وحضاري.
الإيمان بأن الأردن أرض معطاءة قدمت للإنسانية الكثير منذ عصور ما قبل الميلاد، وما الآثار الباقية إلا برهان ساطع على ذلك.
4 ) شعلة اليرموك : النصب التذكاري الخالد
من أبرز بصماته الوطنية اختياره لموقع ( شعلة اليرموك ) في منطقة " المقربة " ببلدة سحم، المطلة على وادي اليرموك. أراد لهذا النصب أن يكون جسراً يربط الأجيال ببطولات الأجداد، وتحول الموقع بفضله إلى رمز سنوي ووطني يكرس في أذهان الطلاب صوراً من تاريخهم الماجد.
5 ) الإرث العلمي والجوائز :
أثرى المكتبة العربية بأكثر من 27 مؤلفاً، تعد اليوم مراجع أساسية، من أبرزها::
تاريخ شرقي الأردن في عصر دولة المماليك.
إمارة الكرك الأيوبية.
القدس في العصر المملوكي.
المساجد الإسلامية القديمة في الأردن.
مدينة إربد في العصر الإسلامي.
تقديراً لهذا العطاء، نال أوسمة رفيعة منها : وسام المؤرخ العربي 1991 م، وجائزة الدولة التقديرية 1992 م. بالإضافة إلى منحة " فولبرايت " للبحث العلمي من الولايات المتحدة،و
وسام الحسين بن علي عام 2014 م.
6 ) الجانب الإنساني والأسري :
بنى الدكتور يوسف أسرة علمية بامتياز مع رفيقة دربه المرحومة الأستاذة هيام مريش. وقد سار أبناؤه على نهج التفوق : المرحومة الدكتورة هنادي، الدكتورة نرمين، المهندس هشام، والمهندسة رلى.
الوداع الباقي :
بعد حياة حافلة بالعطاء الأكاديمي والوطني، انتقل إلى رحمة الله تعالى في 15 حزيران 2021 م، ووُوري الثرى في مسقط رأسه في بلدة " سحم الكفارات ". لقد فقد الأردن برحيله مرجعاً لا يضاهى، لكن علمه يظل باقياً في عقول طلبته الذين نعتز بأننا كنا جزءاً من مدرسته التاريخية الرصينة.