تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية في ظل تصاعد التوتر والصراع بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. وفي خضم هذه المواجهة المعقدة، تبرز مصلحة الأردن والدول العربية عمومًا في الحفاظ على نوع من التوازن الاستراتيجي الذي يمنع أي طرف من تحقيق انتصار كامل يفرض من خلاله هيمنته على المنطقة.
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي ودوره السياسي، يدرك أن اختلال ميزان القوى في المنطقة قد يحمل تداعيات خطيرة على استقرار الشرق الأوسط بأكمله. فإذا انتهت هذه الحرب بخسارة إيران وسقوط نظامها أو تغييره جذريًا، فإن المنطقة قد تتجه نحو واقع أحادي القطب تقوده إسرائيل. في مثل هذا السيناريو، قد تتمكن إسرائيل من فرض شروطها السياسية والأمنية على المنطقة، مستفيدة من تفوقها العسكري والدعم الغربي الكبير لها. وقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات والأنظمة السياسية في الشرق الأوسط، بحيث يتم الضغط على أي نظام لا يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية أو المصالح الغربية.
وقد شهدت المنطقة في العقود الماضية نماذج من الصراعات التي أضعفت دولًا عربية مركزية مثل العراق وسوريا، الأمر الذي انعكس سلبًا على توازن القوى العربي. ومن هذا المنطلق، يخشى كثيرون أن يؤدي انتصار كامل لإسرائيل إلى مزيد من إضعاف الدول العربية وجيوشها، وإلى توسيع نفوذها السياسي والأمني في المنطقة.
في المقابل، فإن انتصار إيران بشكل كامل ليس خيارًا مريحًا للدول العربية أيضًا. فإيران تمتلك مشروعًا سياسيًا واستراتيجيًا تسعى من خلاله إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط، خصوصًا في منطقة الخليج العربي. وقد أدى هذا المشروع خلال السنوات الماضية إلى توترات وصراعات إقليمية متعددة. وبالتالي فإن هيمنة إيرانية على المنطقة قد تخلق بدورها حالة من عدم الاستقرار وتزيد من حدة الانقسامات السياسية والطائفية.
من هنا، يمكن القول إن المصلحة الاستراتيجية للأردن والعديد من الدول العربية تكمن في عدم تحقيق أي طرف انتصارًا حاسمًا في هذا الصراع. فبقاء نوع من التوازن في القوة بين الأطراف المختلفة قد يحد من قدرة أي جهة على فرض هيمنتها الكاملة على المنطقة. وفي الوقت ذاته، فإن إضعاف القدرات المتطرفة لدى الأطراف المتصارعة – سواء في المشروع الإيراني أو في السياسات التوسعية الإسرائيلية – قد يفتح المجال أمام حلول سياسية أكثر توازنًا.
كما أن هذه التطورات تشكل دافعًا للدول العربية لإعادة التفكير في منظومة الأمن الإقليمي. فقد يكون من الضروري تفعيل اتفاقيات التعاون والدفاع العربي المشترك بصورة أكثر جدية، والعمل على تطوير القدرات الدفاعية والصناعات العسكرية المحلية، بما يقلل من الاعتماد الكامل على القوى الخارجية في التسليح والحماية.
إن العالم يتجه نحو مرحلة من التحولات الكبرى، والشرق الأوسط ليس بمنأى عن هذه التحولات. ولذلك فإن الاستعداد الاستراتيجي، وتعزيز التعاون العربي، وبناء قدرات ذاتية في مجالات الأمن والدفاع، قد تكون من أهم الخطوات التي تساعد الدول العربية – ومن بينها الأردن – على حماية مصالحها واستقرارها في ظل واقع إقليمي متغير قد لا يكون أكثر استقرارًا في السنوات القادمة...