في الثالث من تموز عام 1980 م، كان الأردن على موعد مع لحظة سياسية فارقة، فبينما كانت البلاد تلملم جراحها إثر الرحيل المفاجئ لرئيس الوزراء الشاب المرحوم الشريف عبد الحميد شرف، صدرت الإرادة الملكية السامية بتكليف الدكتور قاسم الريماوي بتشكيل الحكومة. لم يكن هذا التكليف مجرد إجراء إداري، بل كان اختياراً لرجل دولة خبر الأزمات وعاصر التحولات الكبرى منذ نكبة 1948م.
سياق التكليف : حكومة " الاستمرارية والاستقرار "
جاءت حكومة الريماوي لتعكس مفهوم " دولة المؤسسات "، حيث كان الهدف الأول هو ضمان استمرارية النهج السياسي والتنموي الذي بدأته الحكومة السابقة. وبالرغم من أن عمر الحكومة لم يتجاوز الـ 56 يوماً، إلا أنها كانت حافلة بالدلالات السياسية، حيث جمعت بين الخبرة العسكرية الميدانية والحنكة الأكاديمية العالمية.
الفريق الوزاري : تكنوقراط وسياسة في خندق واحد
ضمت تشكيلة الريماوي ( 21 ) وزيراً، حافظوا على توازن دقيق بين الملفات الداخلية والخارجية. ومن أبرز الوجوه التي شكلت ملامح هذه المرحلة :
الدفاع والخارجية : تولى الريماوي حقيبة الدفاع بنفسه، بينما قاد الدبلوماسية الأردنية السيد مروان القاسم، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد تجاذبات إقليمية حادة.
الأمن الداخلي والبلديات : عُهد بوزارة الداخلية للسيد علي البشير، بينما تولى السيد حسن المومني شؤون البلديات والقروية والبيئة، لضمان استقرار الجبهة الداخلية.
التعليم والفكر : برز الدكتور سعيد التل وزيراً للتربية والتعليم، والسيد عدنان أبو عودة وزيراً للإعلام، مما عكس اهتمام الدولة بالبناء الفكري والإنساني.
الاقتصاد والتخطيط : قاد الدكتور جواد العناني وزارتي العمل والشؤون الاجتماعية، والسيد سالم المساعدة وزارة المالية، لمواجهة التحديات الاقتصادية آنذاك.
من " بيت ريما " إلى " الدوار الرابع " : مسيرة نضال :
لم يصل الريماوي إلى سدة الرئاسة من فراغ، فخلفيته النضالية كأمين سر لجيش " الجهاد المقدس " ورفيق درب الشهيد عبد القادر الحسيني منحه شرعية وطنية وقومية واسعة. هذا العمق النضالي صُقل بوعي أكاديمي فذ، حيث كان يحمل دكتوراه في الاقتصاد والتربية من جامعة كولومبيا، مما جعله قادراً على مخاطبة الغرب بلغة العلم والمنطق، ومخاطبة الداخل بلغة الانتماء والعمل.
خاتمة المرحلة وبداية الإرث :
بحلول 28 آب 1980م، سلم الدكتور الريماوي الأمانة إلى حكومة السيد مضر بدران، منهياً بذلك مهمة وطنية قصيرة زمنياً، لكنها عميقة في دلالاتها. لقد أثبت الريماوي أن الأردن يمتلك رجالاً قادرين على التقاط " جمر المرحلة " وتحويله إلى مسار آمن للاستقرار.
رحل الريماوي في نيسان 1982م، تاركاً خلفه سيرة ذاتية تُدرس في الجمع بين " بندقية الثائر " و" قلم العالم " و" حكمة الوزير ".